السبت، 27 يونيو 2026

الخفّاش والسواقة بالخلا عبد الرحيم محمد صالح

 

الخفّاش والسواقة بالخلا
عبد الرحيم محمد صالح
في أغسطس من عام 1994، دخلتُ مع رفاقي الأوروبيين ـ وعددهم خمسة عشر خواجة ـ إلى المختبر التابع لقاعة الأنثروبولوجيا الفيزيائية في الجامعة، لحضور محاضرة أستاذي المشرف عن تطور الكائنات الحية وتحوّرها وفقًا لنظرية النشوء والارتقاء. وكنتُ، ويا لهول المفارقة، الأفريقي الوحيد بينهم! شرح الأستاذ، فصّل ووضّح وأبدع، حتى كادت مصطلحات التاكسونمي والأنواع تتقافز من شفتيه إلى أذهاننا! ثم توقف طويلاً، وكأنما يتذكر بيت شِعر منسي، عند الخفّاش، ذاك الكائن العجيب الذي اختار أن يكون الثديي الوحيد القادر على الطيران، لا حباً في التميّز، بل نزوة بيولوجية لا يُسأل عنها. درسنا قبل ذلك عن الخفافيش والثعالب الطائرة (التي، رغم اسمها المخادع، ليست بثعالب وإنما خفافيش واسمها مضلل يقع في باب "البروباقندا")، وعلِمنا أنها تندرج تحت طائفة الوحشيات حاملات الصفن ـ ويا لبهاء التصنيف! وأن الطيران منحها تنوعاً مدهشاً، حتى صارت تضم أكثر من 1400 نوع، لتكون بذلك ثاني أكثر رُتب الثدييات تنوعاً بعد القوارض. وأنا، على سجيّتي وطول لساني، وبكل شلاقة قلت "الخفافيش متطورة جداً لأنها تعتمد على ارتداد الصوت ولا ترى، فهي عمياء!" وهنا، توقفت عقارب الزمن. العيون كلها التفتت إليّ دفعة واحدة، كأنني خفاش حقيقي في الغرفة. ابتسم الأستاذ ابتسامة العارف الصبور، وسألني بلطافة لا تخلو من القليل من التهكم الأكاديمي :"وما الذي تعنيه بقولك إنها عمياء؟" ثم أردف: "ومن أين جئت بهذه المعلومة العظيمة؟" فتلعثمت وقلت: "لا أدري، ربما من أحد المدرسين أومن كتاب مدرسي؟" حينها، صحّح لي الأستاذ: أن جميع الخفافيش تملك عيوناً، وأنها ترى في الليل والنهار، بل وبعضها يرى أفضل منا، نحن المساكين الذين نعتمد على المصابيح. نعم، طورت الخفافيش نظام تحديد الموقع بالصدى، لكنه تكامل لا بديل. واصل الأستاذ شرحه، أما أنا فسرحتُ بعيداً، ألعن أبو سلسفيل تلك "السواقة بالخلا" وأنا لا أعرف أين ومتي حدثت لي تلك "السواقة بالخلا" ومن أدخلها في رأسي.
 Free Close-up Bat Face Image - Bat, Close-up, Wildlife | Download at StockCake

"ظلموني الـ قالوا عني غيرني البعاد" عبدالرحيم محمد صالح

 

"ظلموني الـ قالوا عني غيرني البعاد"
عبدالرحيم محمد صالح
وحياة نور جمالك! يسوق الليل بلا توقف، يراجع في الهواء خيالاته ويسترجع أحداث ماضٍ ما عاد يذكر كل دقائق تفاصيله التي تدور وتَمور تحت حشيشة رأسه، مشاهد تلازمه ويفهمها تغوص أصابع قدمه في رمل بستان ذكرياته! يزعجه أحياناً طنين بعضها فتروح وتجئ تقطع خيوط أحلامه وانسياب المواقف والضحكات التي تومض في أركان دماغه. توقّف عند ذلك الرجل الثري الوجيه الذي أراد أن يزوجه ابنته (الوحيدة) كما فعل نبي الله يعقوب بموسى ليس مسحوراً بهيئته أو ملامحه، بل بحسن الظنّ في أمانته وسمو أخلاقه. تدور عجلة ذكرياته وتتحرر حواسه للتنقل بلا عناء تجسد الماضي بجانب الحاضر بحيث يتحرك فيهما معاً. تذكّر زميلة له وهو طالب جامعيّ مبتدئ كانت ملامح وجهها متناسقة تماماً، وشعرها الكثيف الطويل والحريري يتدلى بحرية حتى كتفيها قبل أن يُجمع في ضفائر تظهر خلف الثوب الأبيض. كانت أسنانها منتظمة وبيضاء كاللؤلؤ، وكانت جفون عينيها السوداوين الكبيرتين بهما سواد طبيعي كأنه كحل تطل من محجر أبيض لامع مثل إيزيس في الأساطير المصرية القديمة، مما أضفى عليهما نظرة خاطفة ثاقبة محفوفة بالخجل. كانت مهذبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كان كل تحرك منها مدروساً. لا ترفع عينيها نحوه إلا عندما تغادر، وتتمنى له مساءً سعيداً بعبارة "مع السلامة" وتقولها بأعذب نغمة يمكن لصوت أنثى أن يصدرها. سَرَح مُدة.. تذكر وصية والدته حين استعدّ للسفر في أول إجازة له بعد التخرّج صوتها ينفث إلى صدره "لا تبقى زي شجرة الدوم تضل بعيد! المرة يا ولدي زي الدفة في المركب وزي السبلوقة للجدول....." انصرف تفكيره إلى قول والدته وشكل شجرة الدوم في بلدته البعيدة! تذكّر شكل أوراقها، فهي تشبه المراوح، ينقسم الجذع الرئيسي على بعد بضعة أقدام من الجذر، وكل فرع ينقسم إلى فرعين آخرين، وكل من هذين الفرعين ينقسم بدوره، حتى تأخذ الشجرة شكلاً مستديراً وعريضاً في أعلاها .تتدلّى الثمار في عناقيد أسفل الشجرة، ولها طعم طيب لذيذ. وعندما تجف تماماً وتصبح صلبة ويمكن تلميع نواتها حتى تلمع كالـعاج ويصنع منها الخرز، ورؤوس الغلايين، ويلعب بها الأطفال وغيرها. دارت المشاهد والوجوه في أشكال جديدة كدَوَران المشكال، تحرك في قلبه شجون فجلس تحت دوم ود كبودي وفكر أن يمتطي ذلك الحمار الواقِف بصبر تحت تمر عبدون، منتظراً أن يحمله ليسقي الجمال ويُدَيِّرها قبل أن يخلف رجليه على ظهر الحمار المسرج عائداً يغني "الحنين وداني وجيت بالساقي سادر". أصلح وضع المخدة وتكوّر قليلاً يستجدي النوم!... يهجره النوم ويأخذه تفكيره كل ليلة إلى تلك القرى الفقيرة البعيدة ذات الحيشان الواسعة والدروب المتربة وذكريات تهش أذيالها، يراوح ذهاباً وإياباً، لا يحده زمنٌ ولا بعاد.
 No photo description available.

"الليلة باكية مالكِ يا العيون" عبدالرحيم محمد صالح

 

"الليلة باكية مالكِ يا العيون"
عبدالرحيم محمد صالح
القيتهُ مصادفةً عند مدخل بناية الآفروايشن، وكنتُ أرتدي قميصاً ذا خطوط كُحليّة كانوا يسمّونه آنذاك "تحرمني منك". ألقى نظرة متفحِّصة على قميصي الأنيق، ثم على شعري الخنفس المنتصب "واقف دِقّا"، وقال مازحاً: "الليلة باكي وين كِدَه؟ إنتَ تاني ما بترجع البلد". ضحكنا ثم مضينا معاً، قطعنا شارع الجامعة والمين روود، في تلك الأمسية التي كانت الجامعة فيها تضج بحركتها من معارض ومناشط، متّجهين إلى دار اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، المعروف اختصاراً بـ"كوسو"، تلك الدار التي ذاعت شهرتها بنشاطاتها الطلابية الصاخبة، ومنابرها التي كانت تضج بالحوار، والفكر، والنقاش، والاحتفالات.
وصلنا فوجدنا الدار هادئة فيها منشط يقيمه طلاب منطقة الدامر (أن لم تخني الذاكرة)، وقد امتلأت الدار بوجوهٍ شابّة يملؤها الحماس، وأصواتٍ تتعالى بالترحيب والأنس. وهناك، للمرة الأولى، وقع بصري على الفنان الصاعد آنذاك حسين شندي، يقف على المنصة في وقار مشوب بحماسة البدايات. شرع يغنّي أغنيته التي أخذت بالقلوب: "الليلة باكية مالكِ يا العيون"، واستهلّها بمقطعٍ شجيّ يقول فيه: "جار الزمان، وين الأمان، إنتِ الأمان، وحبك كمان، حبيبك نساك، لي عهدو خان". وما إن انسابت كلماته في الفضاء عبر السماعات حتى أخذت قلوب المحبين ترتجف، وسالت دموع أهل الغرام جداول صامتة، كأنما أيقظت الأغنية في النفوس ذكرياتٍ بعيدة، وأوجاعاً دفينة لا يطفئها إلا الشجن. وحين بلغ المقطع الذي يقول فيه: "أريتُو لو عارفك بتبكي، كيف الدموع النازلة تحكي، عن حب سنين صادق أمين، الليلة باكية مالك يا العيون" ارتجّ المكان بآهات مكتومة، وارتفع بين الحضور صوت النشيج خافتاً، كأنّ الأغنية قد لامست وتراً خفيّاً في صدور بعض الحاضرين. وخُيِّل إليّ، في تلك اللحظة المفعمة بالشجن، أنّ أشجار المهوقني الضخمة التي تظلل المكان قد أطرقت في صمتٍ مهيب، وأسدلَت فروعها الوارفة كأنّها تشارك القلوب حزنها، وتحنو على الدموع التي انهمرت في تلك الليلة.
ثم شاهدتُ بالصدفة المحضة اليوم حسين شندي يؤدي الأغنية ذاتها في برنامج "يلا نغني". غير أنّ الإحساس الذي ارتسم في نفسي لم يكن هو ذاك الذي عرفته قديماً! فما عاد حسين شندي ذلك الشاب المتوقد الذي عهدناه يومها ولا عدتُ أنا!، ولا كان الأداء يحمل تلك العذوبة الأولى التي سمعناها في تلك الليلة البعيدة. تبدّل ذلك الشجن العفوي الذي كان ينساب من صوته كنبعٍ صافٍ. ولعلي، وأنا أستمع إليه اليوم، لم أكن أقارن بين صوتين فحسب، بل بين زمنين كاملين: زمنٍ مضى بكل ما فيه من الشباب، ووهج البدايات، وصفاء اللحظة التي لا تتكرر. وتبدّل ذلك الشجن العفوي الذي كان ينساب من صوته كنبعٍ صافٍ. حين تولد الأغنية في زمانٍ بعينه، تحمل معه سرَّها الذي لا يعود كما كان، مهما تكررت، فتصبح ذكرى. ولذلك بقي ذلك الأداء في تلك الليلة في دار اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، تحت ظلال المهوقني، وفي نشيج العشاق، هو الأداء الحقيقي الذي لا تمحوه الأيام من ذاكرتي.
 
No photo description available. 
 

يا الثريا الفوق أهل الثرى عبدالرحيم محمد صالح

من الذاكرة (2)
يا الثريا الفوق أهل الثرى
عبدالرحيم محمد صالح
كلما استمع إلى "بدور القلعة وجوهرا" (يوجعني قلبي)! تأخذني ذاكرتي الأسيرة إلى الميدان الغربي بجامعة الخرطوم إلى أحدى فعاليات "أسبوع المهندس" في ثمانينات القرن الماضي وتجدني كطالب شاب أتوّه بالخمس آهات المتتاليات التي مدها ود الأمين مداً بعد الكوبليه الأول وأشعر بثقل يهبط على قلبي أغرق في اللحن والاداء والكلمة فتسطع في ذاكرتي "السيوف ألحاظك تشهرا" فتدفعني خارج تيار الغرق بعد أن كدت "أعسكر" في "حامنديرا" الإيقاع حيث تعانق أوتار العود أقواس الكمنجات .أغرق مرة أخرى في ظلام "الشَّعَر أقدامك ستّرا لقطيبوا قلوبنا البعترا" وأفيق على "رنّة الصفّارة اتفكّرا" أرى كما يرى النائم ود الأمين في بدلة رمادية فاتحة ونظارة سوداء ممسكاً بالعود بيساره يقترب من المايك يشدو بصوته الجهوري المليان "نار غرامك ربّك يقهرا" يُظهر القاف في كلمة يقهرا إظهاراً. وخلفه وجوه العازفين مثل حبات مسبحة منظومة بعناية على خلفية الإضاءة الزرقاء! تسمرت في تلك الليلة الآذان والقلوب. تلفتُ حولي فلم أجد نفسي وأدركت حينها أني ماكنت حيث كنت، بل كنت كمن يسبح في فضاءات الله يبحث عن تلك الثريا. عرج بنا ود الأمين وأمامه "اب صلاح" إلى سماوات الفن بـ "الرشيم والرشمة الخد ترى زي فريع في موية منضرا"، في تلك الليلة وأظنها الليلة الختامية لأسبوع المهندس كم أطرب ود الأمين أفكارنا وأسـكرا، سكرة ما انفكت إلى يوم زماننا هذا. تتسلّل الأغنيات الرفيعة إلى الذاكرة خلسةً، وتسكن فيها ذكريات الزمن كعطر عالق على ثناياها وجدرانها، لا يُرى ولكن يُحَسّ في أعمق مواضع الوجدان. فهي لا تُحفَظ كأصوات مجرّدة، بل تُنقش على صفحات القلب مقرونة بلحظات عاشها الإنسان، بأفراحٍ خافتة أو أحزان مُضمَرة. وما إن تعود تلك الأنغام بعد سنين طويلة، حتى تنفتح بوّابات الماضي دفعة واحدة، فتنساب الذكريات حيّة نابضة، كأنّها لم تبرح مكانها قط. تُعيد الموسيقى تشكيل الزمن، فتقرّب البعيد وتُحيي ما ظننّاه اندثر، فيغدو السامع أسير لحظة مزدوجة: حاضرٍ يُنصت، وماضٍ يُستعاد بكلّ تفاصيله ودفئه ووجعه ومرآة صادقة لذاكرة لا تنسى. وما فتئت "بدور القلعة" جوهرة تاج أغاني الحقيبة وما برحت تمسك بعنان فرس الفن السوداني الرفيع وستظل.
No photo description available. 

صورة قديمة متآكلة الأطراف


صورة قديمة متآكلة الأطراف
عبدالرحيم محمد صالح
ياخي هجرك طال! كنا نتسامر بعد العشاء أمام بيت العرس حين سمعنا غناءً حادّاً مرتفعاً تصاحبه تصفيقاتٌ نسائية منتظمة، تدافعنا نحو الباب المؤدي إلى الحوش المضاء بالرتاين وقبل أن نصل هبكت الدلوكة وبدء الرقص على إيقاع "البلال دا الله أدا يابلالي أنا والمتمني كلو لقِا يابلالي أنا"، كنّ يرقصن اثنتين اثنتين في طرف الحلقة (الدارة)، والبقية يُغنين ويزغردن وقد جلسن نصف دائرةٍ يواصلن التصفيق لضبط إيقاع الأغنية، ذهبتُ إلى داخل الدارة رافعاً يدي قارعاً أصابعي لأُبشِّر شأن من هم في سني آنذاك، فتقدّمت تلك التي في الوسط، يعلو صدرها حتى كاد يوازي وجهها المرفوع إلى الخلف، وشعرها يكاد يلامس الأرض تتحرّك في مَشيةٍ متموّجة بطيئة حتى وصلت أمامي. ثم فجأة وبحركةٍ خاطفة، انحنت إلى الأمام، دافعةً رأسها إلى الأسفل (أي نكعت)، وألقت بشعرها نحوي حتى لامست ضفائرها الطويلة السوداء اللامعة طاقيتي وأنا راكز لآخذ الشبّال قائلة "كَشّ" فتركتني بين مصحصح وغائب! وكان ذلك، أعظم وآخر شبّال في حياتي، مالت عائدة وهي "تطيع وتنتني" إلى مكانها بين الصفوف.... تترآى أمامي خيالات تلك العيون اللامعة والوجه الصبوح والجمال الأخاذ كلما صدح ترباس بـ "يا نسيم شبّال"! سيظل خالداً في ذاكرتي كذلك الشبّال الذي أخذه أمنحتب الثاني في حفل تتويجه في القرن الرابع عشر قبل الميلاد!
شبّال في حفل تتويج أمنحتب الثاني في القرن الرابع عشر قبل الميلاد!

 No photo description available.