"ظلموني الـ قالوا عني غيرني البعاد"
عبدالرحيم محمد صالح
وحياة نور جمالك! يسوق الليل بلا توقف، يراجع في الهواء خيالاته ويسترجع أحداث ماضٍ ما عاد يذكر كل دقائق تفاصيله التي تدور وتَمور تحت حشيشة رأسه، مشاهد تلازمه ويفهمها تغوص أصابع قدمه في رمل بستان ذكرياته! يزعجه أحياناً طنين بعضها فتروح وتجئ تقطع خيوط أحلامه وانسياب المواقف والضحكات التي تومض في أركان دماغه. توقّف عند ذلك الرجل الثري الوجيه الذي أراد أن يزوجه ابنته (الوحيدة) كما فعل نبي الله يعقوب بموسى ليس مسحوراً بهيئته أو ملامحه، بل بحسن الظنّ في أمانته وسمو أخلاقه. تدور عجلة ذكرياته وتتحرر حواسه للتنقل بلا عناء تجسد الماضي بجانب الحاضر بحيث يتحرك فيهما معاً. تذكّر زميلة له وهو طالب جامعيّ مبتدئ كانت ملامح وجهها متناسقة تماماً، وشعرها الكثيف الطويل والحريري يتدلى بحرية حتى كتفيها قبل أن يُجمع في ضفائر تظهر خلف الثوب الأبيض. كانت أسنانها منتظمة وبيضاء كاللؤلؤ، وكانت جفون عينيها السوداوين الكبيرتين بهما سواد طبيعي كأنه كحل تطل من محجر أبيض لامع مثل إيزيس في الأساطير المصرية القديمة، مما أضفى عليهما نظرة خاطفة ثاقبة محفوفة بالخجل. كانت مهذبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كان كل تحرك منها مدروساً. لا ترفع عينيها نحوه إلا عندما تغادر، وتتمنى له مساءً سعيداً بعبارة "مع السلامة" وتقولها بأعذب نغمة يمكن لصوت أنثى أن يصدرها. سَرَح مُدة.. تذكر وصية والدته حين استعدّ للسفر في أول إجازة له بعد التخرّج صوتها ينفث إلى صدره "لا تبقى زي شجرة الدوم تضل بعيد! المرة يا ولدي زي الدفة في المركب وزي السبلوقة للجدول....." انصرف تفكيره إلى قول والدته وشكل شجرة الدوم في بلدته البعيدة! تذكّر شكل أوراقها، فهي تشبه المراوح، ينقسم الجذع الرئيسي على بعد بضعة أقدام من الجذر، وكل فرع ينقسم إلى فرعين آخرين، وكل من هذين الفرعين ينقسم بدوره، حتى تأخذ الشجرة شكلاً مستديراً وعريضاً في أعلاها .تتدلّى الثمار في عناقيد أسفل الشجرة، ولها طعم طيب لذيذ. وعندما تجف تماماً وتصبح صلبة ويمكن تلميع نواتها حتى تلمع كالـعاج ويصنع منها الخرز، ورؤوس الغلايين، ويلعب بها الأطفال وغيرها. دارت المشاهد والوجوه في أشكال جديدة كدَوَران المشكال، تحرك في قلبه شجون فجلس تحت دوم ود كبودي وفكر أن يمتطي ذلك الحمار الواقِف بصبر تحت تمر عبدون، منتظراً أن يحمله ليسقي الجمال ويُدَيِّرها قبل أن يخلف رجليه على ظهر الحمار المسرج عائداً يغني "الحنين وداني وجيت بالساقي سادر". أصلح وضع المخدة وتكوّر قليلاً يستجدي النوم!... يهجره النوم ويأخذه تفكيره كل ليلة إلى تلك القرى الفقيرة البعيدة ذات الحيشان الواسعة والدروب المتربة وذكريات تهش أذيالها، يراوح ذهاباً وإياباً، لا يحده زمنٌ ولا بعاد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق