من الذاكرة (2)
يا الثريا الفوق أهل الثرى
عبدالرحيم محمد صالح
كلما استمع إلى "بدور القلعة وجوهرا" (يوجعني قلبي)! تأخذني ذاكرتي الأسيرة إلى الميدان الغربي بجامعة الخرطوم إلى أحدى فعاليات "أسبوع المهندس" في ثمانينات القرن الماضي وتجدني كطالب شاب أتوّه بالخمس آهات المتتاليات التي مدها ود الأمين مداً بعد الكوبليه الأول وأشعر بثقل يهبط على قلبي أغرق في اللحن والاداء والكلمة فتسطع في ذاكرتي "السيوف ألحاظك تشهرا" فتدفعني خارج تيار الغرق بعد أن كدت "أعسكر" في "حامنديرا" الإيقاع حيث تعانق أوتار العود أقواس الكمنجات .أغرق مرة أخرى في ظلام "الشَّعَر أقدامك ستّرا لقطيبوا قلوبنا البعترا" وأفيق على "رنّة الصفّارة اتفكّرا" أرى كما يرى النائم ود الأمين في بدلة رمادية فاتحة ونظارة سوداء ممسكاً بالعود بيساره يقترب من المايك يشدو بصوته الجهوري المليان "نار غرامك ربّك يقهرا" يُظهر القاف في كلمة يقهرا إظهاراً. وخلفه وجوه العازفين مثل حبات مسبحة منظومة بعناية على خلفية الإضاءة الزرقاء! تسمرت في تلك الليلة الآذان والقلوب. تلفتُ حولي فلم أجد نفسي وأدركت حينها أني ماكنت حيث كنت، بل كنت كمن يسبح في فضاءات الله يبحث عن تلك الثريا. عرج بنا ود الأمين وأمامه "اب صلاح" إلى سماوات الفن بـ "الرشيم والرشمة الخد ترى زي فريع في موية منضرا"، في تلك الليلة وأظنها الليلة الختامية لأسبوع المهندس كم أطرب ود الأمين أفكارنا وأسـكرا، سكرة ما انفكت إلى يوم زماننا هذا. تتسلّل الأغنيات الرفيعة إلى الذاكرة خلسةً، وتسكن فيها ذكريات الزمن كعطر عالق على ثناياها وجدرانها، لا يُرى ولكن يُحَسّ في أعمق مواضع الوجدان. فهي لا تُحفَظ كأصوات مجرّدة، بل تُنقش على صفحات القلب مقرونة بلحظات عاشها الإنسان، بأفراحٍ خافتة أو أحزان مُضمَرة. وما إن تعود تلك الأنغام بعد سنين طويلة، حتى تنفتح بوّابات الماضي دفعة واحدة، فتنساب الذكريات حيّة نابضة، كأنّها لم تبرح مكانها قط. تُعيد الموسيقى تشكيل الزمن، فتقرّب البعيد وتُحيي ما ظننّاه اندثر، فيغدو السامع أسير لحظة مزدوجة: حاضرٍ يُنصت، وماضٍ يُستعاد بكلّ تفاصيله ودفئه ووجعه ومرآة صادقة لذاكرة لا تنسى. وما فتئت "بدور القلعة" جوهرة تاج أغاني الحقيبة وما برحت تمسك بعنان فرس الفن السوداني الرفيع وستظل.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق