الخفّاش والسواقة بالخلا
عبد الرحيم محمد صالح
في أغسطس من عام 1994، دخلتُ مع رفاقي الأوروبيين ـ وعددهم خمسة عشر خواجة ـ إلى المختبر التابع لقاعة الأنثروبولوجيا الفيزيائية في الجامعة، لحضور محاضرة أستاذي المشرف عن تطور الكائنات الحية وتحوّرها وفقًا لنظرية النشوء والارتقاء. وكنتُ، ويا لهول المفارقة، الأفريقي الوحيد بينهم! شرح الأستاذ، فصّل ووضّح وأبدع، حتى كادت مصطلحات التاكسونمي والأنواع تتقافز من شفتيه إلى أذهاننا! ثم توقف طويلاً، وكأنما يتذكر بيت شِعر منسي، عند الخفّاش، ذاك الكائن العجيب الذي اختار أن يكون الثديي الوحيد القادر على الطيران، لا حباً في التميّز، بل نزوة بيولوجية لا يُسأل عنها. درسنا قبل ذلك عن الخفافيش والثعالب الطائرة (التي، رغم اسمها المخادع، ليست بثعالب وإنما خفافيش واسمها مضلل يقع في باب "البروباقندا")، وعلِمنا أنها تندرج تحت طائفة الوحشيات حاملات الصفن ـ ويا لبهاء التصنيف! وأن الطيران منحها تنوعاً مدهشاً، حتى صارت تضم أكثر من 1400 نوع، لتكون بذلك ثاني أكثر رُتب الثدييات تنوعاً بعد القوارض. وأنا، على سجيّتي وطول لساني، وبكل شلاقة قلت "الخفافيش متطورة جداً لأنها تعتمد على ارتداد الصوت ولا ترى، فهي عمياء!" وهنا، توقفت عقارب الزمن. العيون كلها التفتت إليّ دفعة واحدة، كأنني خفاش حقيقي في الغرفة. ابتسم الأستاذ ابتسامة العارف الصبور، وسألني بلطافة لا تخلو من القليل من التهكم الأكاديمي :"وما الذي تعنيه بقولك إنها عمياء؟" ثم أردف: "ومن أين جئت بهذه المعلومة العظيمة؟" فتلعثمت وقلت: "لا أدري، ربما من أحد المدرسين أومن كتاب مدرسي؟" حينها، صحّح لي الأستاذ: أن جميع الخفافيش تملك عيوناً، وأنها ترى في الليل والنهار، بل وبعضها يرى أفضل منا، نحن المساكين الذين نعتمد على المصابيح. نعم، طورت الخفافيش نظام تحديد الموقع بالصدى، لكنه تكامل لا بديل. واصل الأستاذ شرحه، أما أنا فسرحتُ بعيداً، ألعن أبو سلسفيل تلك "السواقة بالخلا" وأنا لا أعرف أين ومتي حدثت لي تلك "السواقة بالخلا" ومن أدخلها في رأسي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق