السبت، 27 يونيو 2026

الخفّاش والسواقة بالخلا عبد الرحيم محمد صالح

 

الخفّاش والسواقة بالخلا
عبد الرحيم محمد صالح
في أغسطس من عام 1994، دخلتُ مع رفاقي الأوروبيين ـ وعددهم خمسة عشر خواجة ـ إلى المختبر التابع لقاعة الأنثروبولوجيا الفيزيائية في الجامعة، لحضور محاضرة أستاذي المشرف عن تطور الكائنات الحية وتحوّرها وفقًا لنظرية النشوء والارتقاء. وكنتُ، ويا لهول المفارقة، الأفريقي الوحيد بينهم! شرح الأستاذ، فصّل ووضّح وأبدع، حتى كادت مصطلحات التاكسونمي والأنواع تتقافز من شفتيه إلى أذهاننا! ثم توقف طويلاً، وكأنما يتذكر بيت شِعر منسي، عند الخفّاش، ذاك الكائن العجيب الذي اختار أن يكون الثديي الوحيد القادر على الطيران، لا حباً في التميّز، بل نزوة بيولوجية لا يُسأل عنها. درسنا قبل ذلك عن الخفافيش والثعالب الطائرة (التي، رغم اسمها المخادع، ليست بثعالب وإنما خفافيش واسمها مضلل يقع في باب "البروباقندا")، وعلِمنا أنها تندرج تحت طائفة الوحشيات حاملات الصفن ـ ويا لبهاء التصنيف! وأن الطيران منحها تنوعاً مدهشاً، حتى صارت تضم أكثر من 1400 نوع، لتكون بذلك ثاني أكثر رُتب الثدييات تنوعاً بعد القوارض. وأنا، على سجيّتي وطول لساني، وبكل شلاقة قلت "الخفافيش متطورة جداً لأنها تعتمد على ارتداد الصوت ولا ترى، فهي عمياء!" وهنا، توقفت عقارب الزمن. العيون كلها التفتت إليّ دفعة واحدة، كأنني خفاش حقيقي في الغرفة. ابتسم الأستاذ ابتسامة العارف الصبور، وسألني بلطافة لا تخلو من القليل من التهكم الأكاديمي :"وما الذي تعنيه بقولك إنها عمياء؟" ثم أردف: "ومن أين جئت بهذه المعلومة العظيمة؟" فتلعثمت وقلت: "لا أدري، ربما من أحد المدرسين أومن كتاب مدرسي؟" حينها، صحّح لي الأستاذ: أن جميع الخفافيش تملك عيوناً، وأنها ترى في الليل والنهار، بل وبعضها يرى أفضل منا، نحن المساكين الذين نعتمد على المصابيح. نعم، طورت الخفافيش نظام تحديد الموقع بالصدى، لكنه تكامل لا بديل. واصل الأستاذ شرحه، أما أنا فسرحتُ بعيداً، ألعن أبو سلسفيل تلك "السواقة بالخلا" وأنا لا أعرف أين ومتي حدثت لي تلك "السواقة بالخلا" ومن أدخلها في رأسي.
 Free Close-up Bat Face Image - Bat, Close-up, Wildlife | Download at StockCake

"ظلموني الـ قالوا عني غيرني البعاد" عبدالرحيم محمد صالح

 

"ظلموني الـ قالوا عني غيرني البعاد"
عبدالرحيم محمد صالح
وحياة نور جمالك! يسوق الليل بلا توقف، يراجع في الهواء خيالاته ويسترجع أحداث ماضٍ ما عاد يذكر كل دقائق تفاصيله التي تدور وتَمور تحت حشيشة رأسه، مشاهد تلازمه ويفهمها تغوص أصابع قدمه في رمل بستان ذكرياته! يزعجه أحياناً طنين بعضها فتروح وتجئ تقطع خيوط أحلامه وانسياب المواقف والضحكات التي تومض في أركان دماغه. توقّف عند ذلك الرجل الثري الوجيه الذي أراد أن يزوجه ابنته (الوحيدة) كما فعل نبي الله يعقوب بموسى ليس مسحوراً بهيئته أو ملامحه، بل بحسن الظنّ في أمانته وسمو أخلاقه. تدور عجلة ذكرياته وتتحرر حواسه للتنقل بلا عناء تجسد الماضي بجانب الحاضر بحيث يتحرك فيهما معاً. تذكّر زميلة له وهو طالب جامعيّ مبتدئ كانت ملامح وجهها متناسقة تماماً، وشعرها الكثيف الطويل والحريري يتدلى بحرية حتى كتفيها قبل أن يُجمع في ضفائر تظهر خلف الثوب الأبيض. كانت أسنانها منتظمة وبيضاء كاللؤلؤ، وكانت جفون عينيها السوداوين الكبيرتين بهما سواد طبيعي كأنه كحل تطل من محجر أبيض لامع مثل إيزيس في الأساطير المصرية القديمة، مما أضفى عليهما نظرة خاطفة ثاقبة محفوفة بالخجل. كانت مهذبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كان كل تحرك منها مدروساً. لا ترفع عينيها نحوه إلا عندما تغادر، وتتمنى له مساءً سعيداً بعبارة "مع السلامة" وتقولها بأعذب نغمة يمكن لصوت أنثى أن يصدرها. سَرَح مُدة.. تذكر وصية والدته حين استعدّ للسفر في أول إجازة له بعد التخرّج صوتها ينفث إلى صدره "لا تبقى زي شجرة الدوم تضل بعيد! المرة يا ولدي زي الدفة في المركب وزي السبلوقة للجدول....." انصرف تفكيره إلى قول والدته وشكل شجرة الدوم في بلدته البعيدة! تذكّر شكل أوراقها، فهي تشبه المراوح، ينقسم الجذع الرئيسي على بعد بضعة أقدام من الجذر، وكل فرع ينقسم إلى فرعين آخرين، وكل من هذين الفرعين ينقسم بدوره، حتى تأخذ الشجرة شكلاً مستديراً وعريضاً في أعلاها .تتدلّى الثمار في عناقيد أسفل الشجرة، ولها طعم طيب لذيذ. وعندما تجف تماماً وتصبح صلبة ويمكن تلميع نواتها حتى تلمع كالـعاج ويصنع منها الخرز، ورؤوس الغلايين، ويلعب بها الأطفال وغيرها. دارت المشاهد والوجوه في أشكال جديدة كدَوَران المشكال، تحرك في قلبه شجون فجلس تحت دوم ود كبودي وفكر أن يمتطي ذلك الحمار الواقِف بصبر تحت تمر عبدون، منتظراً أن يحمله ليسقي الجمال ويُدَيِّرها قبل أن يخلف رجليه على ظهر الحمار المسرج عائداً يغني "الحنين وداني وجيت بالساقي سادر". أصلح وضع المخدة وتكوّر قليلاً يستجدي النوم!... يهجره النوم ويأخذه تفكيره كل ليلة إلى تلك القرى الفقيرة البعيدة ذات الحيشان الواسعة والدروب المتربة وذكريات تهش أذيالها، يراوح ذهاباً وإياباً، لا يحده زمنٌ ولا بعاد.
 No photo description available.

"الليلة باكية مالكِ يا العيون" عبدالرحيم محمد صالح

 

"الليلة باكية مالكِ يا العيون"
عبدالرحيم محمد صالح
القيتهُ مصادفةً عند مدخل بناية الآفروايشن، وكنتُ أرتدي قميصاً ذا خطوط كُحليّة كانوا يسمّونه آنذاك "تحرمني منك". ألقى نظرة متفحِّصة على قميصي الأنيق، ثم على شعري الخنفس المنتصب "واقف دِقّا"، وقال مازحاً: "الليلة باكي وين كِدَه؟ إنتَ تاني ما بترجع البلد". ضحكنا ثم مضينا معاً، قطعنا شارع الجامعة والمين روود، في تلك الأمسية التي كانت الجامعة فيها تضج بحركتها من معارض ومناشط، متّجهين إلى دار اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، المعروف اختصاراً بـ"كوسو"، تلك الدار التي ذاعت شهرتها بنشاطاتها الطلابية الصاخبة، ومنابرها التي كانت تضج بالحوار، والفكر، والنقاش، والاحتفالات.
وصلنا فوجدنا الدار هادئة فيها منشط يقيمه طلاب منطقة الدامر (أن لم تخني الذاكرة)، وقد امتلأت الدار بوجوهٍ شابّة يملؤها الحماس، وأصواتٍ تتعالى بالترحيب والأنس. وهناك، للمرة الأولى، وقع بصري على الفنان الصاعد آنذاك حسين شندي، يقف على المنصة في وقار مشوب بحماسة البدايات. شرع يغنّي أغنيته التي أخذت بالقلوب: "الليلة باكية مالكِ يا العيون"، واستهلّها بمقطعٍ شجيّ يقول فيه: "جار الزمان، وين الأمان، إنتِ الأمان، وحبك كمان، حبيبك نساك، لي عهدو خان". وما إن انسابت كلماته في الفضاء عبر السماعات حتى أخذت قلوب المحبين ترتجف، وسالت دموع أهل الغرام جداول صامتة، كأنما أيقظت الأغنية في النفوس ذكرياتٍ بعيدة، وأوجاعاً دفينة لا يطفئها إلا الشجن. وحين بلغ المقطع الذي يقول فيه: "أريتُو لو عارفك بتبكي، كيف الدموع النازلة تحكي، عن حب سنين صادق أمين، الليلة باكية مالك يا العيون" ارتجّ المكان بآهات مكتومة، وارتفع بين الحضور صوت النشيج خافتاً، كأنّ الأغنية قد لامست وتراً خفيّاً في صدور بعض الحاضرين. وخُيِّل إليّ، في تلك اللحظة المفعمة بالشجن، أنّ أشجار المهوقني الضخمة التي تظلل المكان قد أطرقت في صمتٍ مهيب، وأسدلَت فروعها الوارفة كأنّها تشارك القلوب حزنها، وتحنو على الدموع التي انهمرت في تلك الليلة.
ثم شاهدتُ بالصدفة المحضة اليوم حسين شندي يؤدي الأغنية ذاتها في برنامج "يلا نغني". غير أنّ الإحساس الذي ارتسم في نفسي لم يكن هو ذاك الذي عرفته قديماً! فما عاد حسين شندي ذلك الشاب المتوقد الذي عهدناه يومها ولا عدتُ أنا!، ولا كان الأداء يحمل تلك العذوبة الأولى التي سمعناها في تلك الليلة البعيدة. تبدّل ذلك الشجن العفوي الذي كان ينساب من صوته كنبعٍ صافٍ. ولعلي، وأنا أستمع إليه اليوم، لم أكن أقارن بين صوتين فحسب، بل بين زمنين كاملين: زمنٍ مضى بكل ما فيه من الشباب، ووهج البدايات، وصفاء اللحظة التي لا تتكرر. وتبدّل ذلك الشجن العفوي الذي كان ينساب من صوته كنبعٍ صافٍ. حين تولد الأغنية في زمانٍ بعينه، تحمل معه سرَّها الذي لا يعود كما كان، مهما تكررت، فتصبح ذكرى. ولذلك بقي ذلك الأداء في تلك الليلة في دار اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، تحت ظلال المهوقني، وفي نشيج العشاق، هو الأداء الحقيقي الذي لا تمحوه الأيام من ذاكرتي.
 
No photo description available. 
 

يا الثريا الفوق أهل الثرى عبدالرحيم محمد صالح

من الذاكرة (2)
يا الثريا الفوق أهل الثرى
عبدالرحيم محمد صالح
كلما استمع إلى "بدور القلعة وجوهرا" (يوجعني قلبي)! تأخذني ذاكرتي الأسيرة إلى الميدان الغربي بجامعة الخرطوم إلى أحدى فعاليات "أسبوع المهندس" في ثمانينات القرن الماضي وتجدني كطالب شاب أتوّه بالخمس آهات المتتاليات التي مدها ود الأمين مداً بعد الكوبليه الأول وأشعر بثقل يهبط على قلبي أغرق في اللحن والاداء والكلمة فتسطع في ذاكرتي "السيوف ألحاظك تشهرا" فتدفعني خارج تيار الغرق بعد أن كدت "أعسكر" في "حامنديرا" الإيقاع حيث تعانق أوتار العود أقواس الكمنجات .أغرق مرة أخرى في ظلام "الشَّعَر أقدامك ستّرا لقطيبوا قلوبنا البعترا" وأفيق على "رنّة الصفّارة اتفكّرا" أرى كما يرى النائم ود الأمين في بدلة رمادية فاتحة ونظارة سوداء ممسكاً بالعود بيساره يقترب من المايك يشدو بصوته الجهوري المليان "نار غرامك ربّك يقهرا" يُظهر القاف في كلمة يقهرا إظهاراً. وخلفه وجوه العازفين مثل حبات مسبحة منظومة بعناية على خلفية الإضاءة الزرقاء! تسمرت في تلك الليلة الآذان والقلوب. تلفتُ حولي فلم أجد نفسي وأدركت حينها أني ماكنت حيث كنت، بل كنت كمن يسبح في فضاءات الله يبحث عن تلك الثريا. عرج بنا ود الأمين وأمامه "اب صلاح" إلى سماوات الفن بـ "الرشيم والرشمة الخد ترى زي فريع في موية منضرا"، في تلك الليلة وأظنها الليلة الختامية لأسبوع المهندس كم أطرب ود الأمين أفكارنا وأسـكرا، سكرة ما انفكت إلى يوم زماننا هذا. تتسلّل الأغنيات الرفيعة إلى الذاكرة خلسةً، وتسكن فيها ذكريات الزمن كعطر عالق على ثناياها وجدرانها، لا يُرى ولكن يُحَسّ في أعمق مواضع الوجدان. فهي لا تُحفَظ كأصوات مجرّدة، بل تُنقش على صفحات القلب مقرونة بلحظات عاشها الإنسان، بأفراحٍ خافتة أو أحزان مُضمَرة. وما إن تعود تلك الأنغام بعد سنين طويلة، حتى تنفتح بوّابات الماضي دفعة واحدة، فتنساب الذكريات حيّة نابضة، كأنّها لم تبرح مكانها قط. تُعيد الموسيقى تشكيل الزمن، فتقرّب البعيد وتُحيي ما ظننّاه اندثر، فيغدو السامع أسير لحظة مزدوجة: حاضرٍ يُنصت، وماضٍ يُستعاد بكلّ تفاصيله ودفئه ووجعه ومرآة صادقة لذاكرة لا تنسى. وما فتئت "بدور القلعة" جوهرة تاج أغاني الحقيبة وما برحت تمسك بعنان فرس الفن السوداني الرفيع وستظل.
No photo description available. 

صورة قديمة متآكلة الأطراف


صورة قديمة متآكلة الأطراف
عبدالرحيم محمد صالح
ياخي هجرك طال! كنا نتسامر بعد العشاء أمام بيت العرس حين سمعنا غناءً حادّاً مرتفعاً تصاحبه تصفيقاتٌ نسائية منتظمة، تدافعنا نحو الباب المؤدي إلى الحوش المضاء بالرتاين وقبل أن نصل هبكت الدلوكة وبدء الرقص على إيقاع "البلال دا الله أدا يابلالي أنا والمتمني كلو لقِا يابلالي أنا"، كنّ يرقصن اثنتين اثنتين في طرف الحلقة (الدارة)، والبقية يُغنين ويزغردن وقد جلسن نصف دائرةٍ يواصلن التصفيق لضبط إيقاع الأغنية، ذهبتُ إلى داخل الدارة رافعاً يدي قارعاً أصابعي لأُبشِّر شأن من هم في سني آنذاك، فتقدّمت تلك التي في الوسط، يعلو صدرها حتى كاد يوازي وجهها المرفوع إلى الخلف، وشعرها يكاد يلامس الأرض تتحرّك في مَشيةٍ متموّجة بطيئة حتى وصلت أمامي. ثم فجأة وبحركةٍ خاطفة، انحنت إلى الأمام، دافعةً رأسها إلى الأسفل (أي نكعت)، وألقت بشعرها نحوي حتى لامست ضفائرها الطويلة السوداء اللامعة طاقيتي وأنا راكز لآخذ الشبّال قائلة "كَشّ" فتركتني بين مصحصح وغائب! وكان ذلك، أعظم وآخر شبّال في حياتي، مالت عائدة وهي "تطيع وتنتني" إلى مكانها بين الصفوف.... تترآى أمامي خيالات تلك العيون اللامعة والوجه الصبوح والجمال الأخاذ كلما صدح ترباس بـ "يا نسيم شبّال"! سيظل خالداً في ذاكرتي كذلك الشبّال الذي أخذه أمنحتب الثاني في حفل تتويجه في القرن الرابع عشر قبل الميلاد!
شبّال في حفل تتويج أمنحتب الثاني في القرن الرابع عشر قبل الميلاد!

 No photo description available.

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

رؤوس قُطِعت ومُثِّلَ بها

 

رؤوس قُطِعت ومُثِّلَ بها (6)

عبدالرحيم محمد صالح

 

Captain John Compton Pyne

كنا قد تحدثنا في مقالات سابقة عن "رؤوس الباشوات السمر" وهما رأسان لضابطين سودانيين أوقع بهما ابراهيم فوزي كان قد أعدمهما غردون، بتهمة الخيانة، في محاكمة عسكريّة عاجلة قبيل سقوط الخرطوم. الرأسان المجزوزان كان يحملهما معه استيورت باشا كـ "تذكارات حرب" على متن الباخرة عباس والتي اصطدمت بحجر قرابة جزيرة أم دويمة حيث قتل استيورت ومن معه وقطعت رأسه ورمي بها مع الرؤوس التي كان يحملها لتأكلها تماسيح دار المناصير الشهيرة، وتحدثنا عن رأس الشيخ نعيم شيخ عرب الرباطاب وتحدثنا كذلك عن رأس الشيخ البركة ود الحاج شيخ عرب العبابدة والتي طِيف بها مديريات السودان، ثم رأس الشيخ فضل ود سالم التي قطعه الأمير جريجير ود تمساح بفأس وأرسله إلى أمدرمان في مخلاية وقبل ذلك كله رأس الجنرال غردون.

وذكرنا أنّ قطع الرؤوس والتمثيل بها يُراد إزاحة الآخر كلياً، كناية عن الغلبة والانتصار. فضلاً عن الرسالة التهديدية التي يحملها هذا المشهد بغية تحذير الناس من الإقدام على التجرّؤ على السلطة ومنظومتها. في السياقات الاستعمارية، كانت الرؤوس المقطوعة تؤدي أحياناً وظيفة مختلفة؛ إذ كانت تُعرض بوصفها وسائل تحذير، أو غنائم نصر، أو أدلة على القتل في السجلات العسكرية والإدارية. وعندما كانت الرؤوس تُحتفظ بها للعرض العام أو لأغراض رسمية، استُخدمت وسائل مختلفة لإبطاء التحلل. وقد اختلفت هذه الأساليب باختلاف المناطق والظروف، وكان الهدف منها في الغالب الحفاظ على إمكانية التعرّف عليها بسهولة. وشملت هذه الوسائل أشكالاً بدائية من التحنيط، أو التجفيف، أو غيرها من التقنيات المعروفة آنذاك.

الرأس المقطوع في هذه الحلقة من سلسلة أنثروبولوجيا العنف في تاريخ السودان الحديث، ويجب أن ينظر إلى عملية قطعه للتمثيل به أنّها حدثت وقت حرب وفي أرض المعركة، هو الرأس الظاهر في الصورة أعلاه، وهو للنقيب جون كومبتون باين، الذي قُتل قرب آبار أمبكول في منطقة بطن الحجر في الثاني من يناير عام 1893م. وكانت لعائلته صلة قرابة بعائلة اللورد كتشنر. ينحدر جون كومبتون باين من إقليم شرق أنجليا (East Anglia)، وهو الابن الثاني للقس إدوارد ديلمان باين. أُرسل إلى مدرسة أبنغهام (Uppingham)  نحو عام 1869م، حيث تصدّر دفعته، ثم التحق بكلية ساندهيرست محققاً المرتبة الأولى. وباعتباره ضابطاً شاباً واعداً، مُنح إجازة لتحقيق طموح شخصي تمثّل في القيام بمسيرة امتدت ثلاثة أشهر عبر قلب بلاد فارس، أنجزها عام 1884م. وقد حمل معه كماناً كان يعزف عليه ببراعة، مستحضراً صورة المغنّين الجوالين في العصور الوسطى، الذين ذاع صيتهم في أوروبا، ولا سيما في جنوب فرنسا. وقد دوَّن مذكّراته، التي نُشرت لاحقاً تحت عنوان: "يوميّات رحلة سيرٍ على الأقدام استغرقت ثلاثة أشهر في بلاد فارس عام 1884". وإلى جانب أذنه الموسيقية المرهفة، امتلك حسّاً فنياً لا يقل تميّزاً؛ إذ كان رسّاماً موهوباً ومصوّراً توضيحياً متمكناً، ولا يزال جانب معتبر من نتاج قلمه وريشته محفوظاً في المتحف العسكري لديفون ودورست بمدينة دورتشستر. رُقّي إلى رتبة نقيب عام 1885م، وشارك في الحرب الأفغانية كما شهد معركة قندهار التي نال عنها وسام أفغانستان. وفي عامي 1889–1890م التحق بكلية الأركان، وتخرّج فيها محققاً مرتبة متقدمة بين أقرانه. ثم أُلحق عام 1892م بوحدة الاستخبارات في الجيش المصري، وشغل منصب المساعد الميداني (Aide-de-Camp) لابن عمه، العميد اللورد كتشنر، سردار الجيش المصري.

تقول المذكرات الخاصة، والتي أعدتها ونشرتها عائلته، إن الكابتن باين كان يدافع عن آبار أمبكول بمنطقة بطن الحجر مع مجموعة من الجنود في الثاني من يناير ١٨٩٣، عندما هاجمت قوات الأنصار وقتلته مع عدد من الجنود. وتم قطع رأسه وإرساله إلى أمدرمان مع نظارته ومسدسه، حيث حُمِل بعد ذلك إلى أمدرمان، فطيف به كل أحياء البقعة في طبق أبيض، ثم أمر الخليفة بوضع رأس باين على عمود خشبي خارج مسجده. وأن باقي الجسد تم دفنه في المقبرة العسكرية في وادي حلفا. قُتل معه في معركة أمبكول ٣٦ جندياً مصرياً وحوالي ٥٠ من قوات الأنصار. وهذا هو المصدر الوحيد الذي ذكر أن رأس الكابتن قد قُطِع وحُمل إلى أمدرمان ومُثِّلَ به.

ذكرت تقارير المخابرات تفاصيل المعركة واغتيال الكابتن لكنها لم تذكر شيئاً عن قطع رأسه أو التمثيل به.  فقد أرسل العميد اللورد كتشنر والذي كان يشغل سردار الجيش المصري برقية تعزية من القاهرة في 4 يناير 1893عبّر فيها عن أسفه لوفاة باين. وكتب أن باين "قُتل في ساحة القتال بعد اشتباك عنيف مع الدراويش استمر عدة ساعات"، كما فصّل ظروف إصابته، وذكر أن جثمانه سيُنقل إلى صرص لدفنه. كما ذكر ونقيتWingate   في مذاكرته، أن باين أُصيب بثلاث طلقات نارية من الأمام، وتلقّى ضربة سيف على ذراعه اليسرى ولم يذكر عن قطع رأسه أو التمثيل بها.

أكثر التقارير تفصيلاً للأحداث هو الذي أعده السردار ذات نفسه يوم 07 يناير 1893 ووقع عليه الجنرال السير فريدريك ويليام إدوارد ووكر قائد القوات البريطانية ) أصبح لاحقاً وحاكماً لمستعمرة جبل طارق (يوم 09 يناير 1893 .

يقول التقرير تبيّن من المعلومات التي استُخلصت من إفادات الأسرى أن القوة المعادية، أي قوات الأنصار، كانت تتألف من نحو ستمائة مقاتل من المشاة والفرسان، بقيادة الأمير حمّودة إدريس. وقد انسحبت هذه القوة إلى صرص، ثم تقدّمت خلال ليلة الحادي والثلاثين من ديسمبر 1892 لمهاجمة الحصن، حيث دار اشتباك بإطلاق النار، غير أنّها ووجِهت بمقاومة الكتيبة السابعة واضطُرّت إلى التراجع نحو صرص القديمة، وهو موقع صحراوي مكثت فيه حتى الساعة الخامسة والنصف صباحاً من يوم الأول من يناير 1893. وعند ذلك انسحبت جنوباً، فلاحقتها قوة من سلاح الفرسان والهجانة المرابطين في صرص. وكان خط المطاردة يسير بمحاذاة خط السكك الحديدية القديم الممتد عبر الصحراء من صرص إلى عكاشة.

وعندما بلغ النبأ الكولونيل وودهـاوس ( Wodehouse) ، صدرت الأوامر مساء الحادي والثلاثين من ديسمبر بإرسال ثلاث وحدات من سلاح الفرسان من حلفا، تحت قيادة الملازم داغويلار، D'Aguilar ترافقها وحدات من الهجانة وقوات غير نظامية، بإمرة الكابتن باين، ضابط الاستخبارات. وقد وصلت هذه القوة إلى صرص صباح الأول من يناير، ثم تابعت عمليات المطاردة .وفي الساعة السابعة والنصف من صباح الأول من يناير قُطع خط التلغراف شمال حلفا، وفي فترة ما بعد الظهر أو المساء من اليوم نفسه حاولت قوة قوامها نحو 350 من الأنصار، بقيادة الأمير عثمان أزرق، قطع خط السكك الحديدية والجسر الواقع شمال "جمي". غير أن هذه القوة اصطدمت بالرائد ديفيد ووحدة من الكتيبة العاشرة، الذين تمكنوا من صد الهجوم. وعلى إثر ذلك انسحب الأنصار على عجل، مخلفين وراءهم ثلاثة قتلى وجريحاً واحداً، وجملاً واحداً نافقاً، وخمسة جرحى وأربعة خيول، فضلاً عن سيوفهم وأكياس الذخيرة ومؤونتهم من التمور.

وأفاد الأسرى الجرحى بأن الأمراء عثمان أزرق، ود حمزة، وخيرالله كانوا حاضرين في مسرح الاشتباك. وبالاستناد إلى المعلومات الاستخبارية السابقة المتعلقة بخطة الغارة، تبيّن أن الأمير عثمان أزرق كُلِّف بقطع خط التلغراف شمال حلفا، ثم العودة للالتحاق بقوات الأمير حمّودة، التي كان من المفترض أن تكون قد سيطرت على قرية جمي. ويبدو جلياً أن الأمير عثمان أزرق لم يكن على علم بإخفاق الأمير حمّودة، وكان يتوقع أن يجده متحكماً في البلدة.وفي أثناء ذلك كان سلاح الفرسان، في إطار مطاردته لقوات الأمير حمّودة، قد قطع مسافة تُقدَّر بنحو 160 ميلاً خلال يومين، على مسافة تقارب خمسة عشر ميلاً جنوب صرص. أما الهجانة والقوات غير النظامية، وقد بلغ مجموع ما قطعوه نحو 120 ميلاً، فقد واصلوا التقدم جنوباً باتجاه أمبكول برفقة الكابتن باين. وفي الساعة السابعة والنصف من صباح الثاني من يناير، التقى الكابتن باين بالمؤخرة المنسحبة لقوات الأنصار عند أمبكول. وكانت جمال الأنصار في طور التحميل، فأنزل الكابتن باين رجاله عن الجمال، وأخفى جماله خلف بعض المرتفعات، ثم بادر إلى فتح النار من المرتفعات الواقعة إلى يسار الطريق، بينما كانت جماله متمركزة خلف جناحه الأيمن. فوجئت قوات الأنصار بهذا الهجوم المباغت، فتركوا جمالهم ولاذوا بالمباني المحصنة، في حين انسحب آخرون إلى التلال على مسافة تراوح بين 800 و1000 ياردة، حيث أعادوا تنظيم صفوفهم وفتحوا النار من جديد. واستمر القتال على هذا النحو قرابة ساعة، إلى أن خرجت من فجوة في التلال جماعة من فرسان الأنصار، كانوا حتى ذلك الحين غير ملحوظين، وتفاوتت التقديرات بشأن عددهم. وقد شنّ هؤلاء هجوماً على الجناح الأيمن لموقع فيلق الهجانة، بقصد واضح يتمثل في عزل الجنود الذين ترجلوا عن جمالهم وقطعهم عنها. ودار اشتباك عنيف، زادت حدته حين هاجمت جماعة أخرى من فرسان الأنصار، يتبعهم عدد من المشاة، الجناح الأيسر لفيلق الهجانة. ويبدو أن الكابتن باين تحرّك من موضعه في الوسط باتجاه الجناح الأيمن في محاولة لصد الهجوم، غير أنه سقط قتيلاً أمام مركز الموقع، بعد أن أُصيب بثلاث طلقات نارية من الأمام، وتلقّى ضربة سيف على ذراعه اليسرى. كما قُتل مساعد القائد، الرائد فؤاد أفندي، الذي كان يتولى القيادة المباشرة لفيلق الهجانة. وأمام التفوق العددي الكاسح للعدو، ومع فقدان الضابطين القائدين، اضطر الجنود المصريون إلى الانسحاب، بعد أن بلغت خسائرهم ستة وعشرين رجلاً من الهجانة، وثمانية من الجنود غير النظاميين، واثنين من عساكر المستشفيات، فضلاً عن خمسة عشر جريحاً، وفقدان خمسة وتسعين جملاً . وفور تلقيه نبأ الاشتباك العنيف الذي تعرّض له الهجانة، اندفع الملازم داغويلان بسلاح الفرسان نحو أمبكول، غير أن قوات الأنصار كانت قد انسحبت جنوباً. وقد عُثر في ساحة المعركة على جثث ثلاثين من الأنصار، فيما أُفيد بأن الجرحى الأنصار قد نُقلوا من الميدان. كما أُحصي وجود ستين جملاً وعشرين حصاناً نفقت في موقع القتال .ونُقلت جثة الكابتن باين إلى حلفا، حيث دُفن مع كامل المراسم العسكرية، كما نُقل جثمان مساعد القائد الرائد فؤاد أفندي ودُفن بالطريقة نفسها. أضاف شقير أن انسحاب جيش الأنصار كان نتيجة حيلة قام بها رجل المخابرات الذكي صالح جبرين شيخ هجانة المخابرات (من مواليد دنقلة)*  حيث صعد إلى أحد القمم القريبة وصاح مبشراً بوصول سلاح الفرسان الإنجليزي فصدق ذلك الأنصار وانسحبوا من ميدان المعركة على عجل وكان ذلك سبباً في نجاة بقية القوة المصرية.

هذه الحالة تختلف عن سابقاتها. لا يمكن الجزم، نفياً أو إثباتاً، بما جرى فعلياً لجثمان الكابتن باين. ويظل التساؤل مطروحاً عمّا إذا كانت استخبارات الجيش الإنجليزي المصري قد تعمّدت إخفاء حقيقة قطع رأسه والتمثيل به، تفادياً لتداعيات محتملة على الروح المعنوية للضباط والجنود، ولا سيما في ظل خشيتهم من أن تلقى حملتهم المصير ذاته الذي آلت إليه حملة إنقاذ غردون. وفي المقابل، لا يستبعد أن تكون عائلته الثرية والمتدينة قد سعت إلى تعظيم مكانته وإشاعة سيرته، بما يرفعه إلى منزلة رمزية تماثل منزلة غردون. وتبقى هذه التساؤلات مفتوحة، ومادةً لدراسة مستقلة لاحقة.

_________________________

*وُلِد صالح جبرين في شمال مدينة العرضي عام 1853م. كان والده من الكنوز، ووالدته محسية من بلدة فريق. عمل في بداية حياته بحّاراً في المراكب التجارية، ثم ترك هذه المهنة وارتحل مع خاله خالد إلى مصر،  وعندما اندلعت الثورة المهدية، التحق بسلك العسكرية التركية، وسار مع مصطفى ياور باشا، حاكم مديرية دنقلة لمحاربة الشيخ أحمد الهِدّي في معركة الدبة الثانية، وشهد عدة معارك عسكرية انتصر فيها ياور باشا. وعقب صدور الأوامر بإخلاء دنقلة وانسحاب القوات المصرية، قدّم صالح استقالته وبقي في دنقلة. ونتيجة لحدوث خلاف بينه وبين دعاة المهدية، فرّ إلى مركز الحدود في حلفا، وذلك عام 1888م، حيث عُيِّن هجّاناً في جهاز المخابرات. وقد عُرف بنشاطه ومعرفته الدقيقة بالطرق المؤدية إلى معسكرات الأنصار، فكان عوناً للجنرال هنتر الذي وثق به. وعندما تحركت الحملة العسكرية لاستعادة السودان عام 1896م، تعهّد صالح بتولي نقل البريد على امتداد مسير الجيش، فشهد معظم المعارك الحربية، وعُيِّن شيخاً لهجانة المخابرات. وعندما بلغ جهاز المخابرات أمر الخليفة محمد شريف واستعداده لمناوأة الحكومة، أوفدت الحكومة صالح جبريل لإقناعهم بالمثول أمام الحكومة في الخرطوم، أو إرسال ابني المهدي لتقديم اعتذار عن البلاغ الكاذب الذي وصل إلى المخابرات، إلا أنهم رفضوا، فتم إرسال باخرة مسلحة قضت عليهم. وفي عام 1901م، انتُدب صالح مبعوثاً لدى السلطان علي دينار. وفي سنة 1916م قام باكتشاف طريق الصحراء، وذلك نتيجة تخوف الإنجليز من احتمال إمداد الألمان والأتراك للسلطان علي دينار بالسلاح. وقد أنجز هذه المهمة في ظروف شديدة المشقة، مما زاد من إعجاب الإنجليز به.

المراجع:

 -1نعوم شقير، تاريخ السودان، تحقيق وتقديم محمد إبراهيم أبو سليم، دار الجيل بيروت،1981 صفحة 850

 2- Sir Francis Reginald Wingate papers include a 30 January 1893 report on the Imperial War Museums. Memorial record for Captain John Compton Pyne. Imperial War Museums War Memorials Register

3- Cobbold Family History Trust. “John Compton Pyne (1865–1893).” Family Tree Biographies.

4- War Memorials Online. “Captain John Compton Pyne, Royal Military Academy Sandhurst Memorial.”

5- War Memorials Online. “Captain John Compton Pyne, Sherborne Abbey Memorial.”

6- Wingate, Francis Reginald. Report on the circumstances connected with the death of Captain J. C. Pyne at Ambigol Wells, 1893. F. R. Wingate Papers, Durham University Library Archives.

7- “The Graphic.” “Death of Captain J. C. Pyne.” The Graphic, 14 January 1893. Referenced via War Memorials Online, Sherborne Abbey entry.

8-Glosters Military History. “Egypt and Sudan Campaign Casualties.” https://glosters.tripod.com/egyptz.ht,  (accessed 29 December 2025).

9- Pyne, John Compton. A Journal of Three Months’ Walk in Persia in 1884. Leiden: Brill, reprint edition

الأحد، 12 أكتوبر 2025

روزا والسواقة بالخلا عبدالرحيم محمد صالح

 

                                                          روزا والسواقة بالخلا
                                                       عبدالرحيم محمد صالح
في ثمانينات القرن الماضي، في زمن لم يكن فيه للإنترنت وجود، ولا للبحث العلمي ملاذ سوى رفوف المكتبات المتربّة، كنا طلاباً في الجامعة، نتلقّى العلم من أفواه أساتذتنا، يقيناً لا يُراجع. وذات سمستر، حضر إلينا أستاذ زائر، جاء ليملأ مكان أستاذنا الأصلي، الذي خرج في إجازة "السابتيكال" ، ذاك الطقس الأكاديمي المعروف الذي يتخفّى فيه الأساتذة وراء البحث! المهم، جاء الأستاذ البديل يحدثنا عن روزا لوكسمبورغ والماركسية! وفاجأنا، لا فضّ فوه، بقوله نصّا لا تفسيراً وبيقين يُحسد عليه" كنت أظن أن روزا لوكسمبورغ امرأة، لكنني، وبعد مراسلات معها، اكتشفت أنه رجل!". وسجّلنا في دفاترنا هذا "الكشف التاريخي"، وانتشينا بالمعرفة، فقد زُفّت إلينا معلومة لم ترد حتى في كتب الرفيق لينين! ومضت الأعوام، وتقلّبت الأيام، وها أنا بعد سنوات، في زيارة إلى برلين، متوجّه صوب برج التلفزيون Berliner Fernsehturm، فإذا بي أمرُّ بساحة جميلة، مستديرة، نظيفة على غير ما عرفت من مياديننا وإذا بلافتة كُتب عليها: "تذكار روزا لوكسمبورغ"Rosa‑Luxemburg‑Platz . تأمّلت، قرأت، تحقّقت... فإذا هي امرأة فعلاً، لا شَكّ في ذلك. لا رجل، ولا متحوّلة، ولا شخصية افتراضية. بل تبيّن أنها مناضلة من أصل بولندي قُتلت عام 1919، أي قبل أن يُولد أستاذنا بما لا يقل عن نصف قرن!! فكيف تراسل معها؟ اللهم إلا إذا كان في جلسة استحضار الأروح؟ قرأت فيما بعد كتابها الشهير المدهش "رسائل من السجن" (Briefe aus dem Gefängnis) وآرائها في ومناهضة النزعة العسكرية، والحركة الأممية البروليتارية. ما قاله لنا أستاذنا الهمام لا علاقة له بأفكارها. ما عرفت هل أبكي على روزا أم أبكي على السواقة بالخلا؟