الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025

رؤوس قُطِعت ومُثِّلَ بها

 

رؤوس قُطِعت ومُثِّلَ بها (6)

عبدالرحيم محمد صالح

 

Captain John Compton Pyne

كنا قد تحدثنا في مقالات سابقة عن "رؤوس الباشوات السمر" وهما رأسان لضابطين سودانيين أوقع بهما ابراهيم فوزي كان قد أعدمهما غردون، بتهمة الخيانة، في محاكمة عسكريّة عاجلة قبيل سقوط الخرطوم. الرأسان المجزوزان كان يحملهما معه استيورت باشا كـ "تذكارات حرب" على متن الباخرة عباس والتي اصطدمت بحجر قرابة جزيرة أم دويمة حيث قتل استيورت ومن معه وقطعت رأسه ورمي بها مع الرؤوس التي كان يحملها لتأكلها تماسيح دار المناصير الشهيرة، وتحدثنا عن رأس الشيخ نعيم شيخ عرب الرباطاب وتحدثنا كذلك عن رأس الشيخ البركة ود الحاج شيخ عرب العبابدة والتي طِيف بها مديريات السودان، ثم رأس الشيخ فضل ود سالم التي قطعه الأمير جريجير ود تمساح بفأس وأرسله إلى أمدرمان في مخلاية وقبل ذلك كله رأس الجنرال غردون.

وذكرنا أنّ قطع الرؤوس والتمثيل بها يُراد إزاحة الآخر كلياً، كناية عن الغلبة والانتصار. فضلاً عن الرسالة التهديدية التي يحملها هذا المشهد بغية تحذير الناس من الإقدام على التجرّؤ على السلطة ومنظومتها. في السياقات الاستعمارية، كانت الرؤوس المقطوعة تؤدي أحياناً وظيفة مختلفة؛ إذ كانت تُعرض بوصفها وسائل تحذير، أو غنائم نصر، أو أدلة على القتل في السجلات العسكرية والإدارية. وعندما كانت الرؤوس تُحتفظ بها للعرض العام أو لأغراض رسمية، استُخدمت وسائل مختلفة لإبطاء التحلل. وقد اختلفت هذه الأساليب باختلاف المناطق والظروف، وكان الهدف منها في الغالب الحفاظ على إمكانية التعرّف عليها بسهولة. وشملت هذه الوسائل أشكالاً بدائية من التحنيط، أو التجفيف، أو غيرها من التقنيات المعروفة آنذاك.

الرأس المقطوع في هذه الحلقة من سلسلة أنثروبولوجيا العنف في تاريخ السودان الحديث، ويجب أن ينظر إلى عملية قطعه للتمثيل به أنّها حدثت وقت حرب وفي أرض المعركة، هو الرأس الظاهر في الصورة أعلاه، وهو للنقيب جون كومبتون باين، الذي قُتل قرب آبار أمبكول في منطقة بطن الحجر في الثاني من يناير عام 1893م. وكانت لعائلته صلة قرابة بعائلة اللورد كتشنر. ينحدر جون كومبتون باين من إقليم شرق أنجليا (East Anglia)، وهو الابن الثاني للقس إدوارد ديلمان باين. أُرسل إلى مدرسة أبنغهام (Uppingham)  نحو عام 1869م، حيث تصدّر دفعته، ثم التحق بكلية ساندهيرست محققاً المرتبة الأولى. وباعتباره ضابطاً شاباً واعداً، مُنح إجازة لتحقيق طموح شخصي تمثّل في القيام بمسيرة امتدت ثلاثة أشهر عبر قلب بلاد فارس، أنجزها عام 1884م. وقد حمل معه كماناً كان يعزف عليه ببراعة، مستحضراً صورة المغنّين الجوالين في العصور الوسطى، الذين ذاع صيتهم في أوروبا، ولا سيما في جنوب فرنسا. وقد دوَّن مذكّراته، التي نُشرت لاحقاً تحت عنوان: "يوميّات رحلة سيرٍ على الأقدام استغرقت ثلاثة أشهر في بلاد فارس عام 1884". وإلى جانب أذنه الموسيقية المرهفة، امتلك حسّاً فنياً لا يقل تميّزاً؛ إذ كان رسّاماً موهوباً ومصوّراً توضيحياً متمكناً، ولا يزال جانب معتبر من نتاج قلمه وريشته محفوظاً في المتحف العسكري لديفون ودورست بمدينة دورتشستر. رُقّي إلى رتبة نقيب عام 1885م، وشارك في الحرب الأفغانية كما شهد معركة قندهار التي نال عنها وسام أفغانستان. وفي عامي 1889–1890م التحق بكلية الأركان، وتخرّج فيها محققاً مرتبة متقدمة بين أقرانه. ثم أُلحق عام 1892م بوحدة الاستخبارات في الجيش المصري، وشغل منصب المساعد الميداني (Aide-de-Camp) لابن عمه، العميد اللورد كتشنر، سردار الجيش المصري.

تقول المذكرات الخاصة، والتي أعدتها ونشرتها عائلته، إن الكابتن باين كان يدافع عن آبار أمبكول بمنطقة بطن الحجر مع مجموعة من الجنود في الثاني من يناير ١٨٩٣، عندما هاجمت قوات الأنصار وقتلته مع عدد من الجنود. وتم قطع رأسه وإرساله إلى أمدرمان مع نظارته ومسدسه، حيث حُمِل بعد ذلك إلى أمدرمان، فطيف به كل أحياء البقعة في طبق أبيض، ثم أمر الخليفة بوضع رأس باين على عمود خشبي خارج مسجده. وأن باقي الجسد تم دفنه في المقبرة العسكرية في وادي حلفا. قُتل معه في معركة أمبكول ٣٦ جندياً مصرياً وحوالي ٥٠ من قوات الأنصار. وهذا هو المصدر الوحيد الذي ذكر أن رأس الكابتن قد قُطِع وحُمل إلى أمدرمان ومُثِّلَ به.

ذكرت تقارير المخابرات تفاصيل المعركة واغتيال الكابتن لكنها لم تذكر شيئاً عن قطع رأسه أو التمثيل به.  فقد أرسل العميد اللورد كتشنر والذي كان يشغل سردار الجيش المصري برقية تعزية من القاهرة في 4 يناير 1893عبّر فيها عن أسفه لوفاة باين. وكتب أن باين "قُتل في ساحة القتال بعد اشتباك عنيف مع الدراويش استمر عدة ساعات"، كما فصّل ظروف إصابته، وذكر أن جثمانه سيُنقل إلى صرص لدفنه. كما ذكر ونقيتWingate   في مذاكرته، أن باين أُصيب بثلاث طلقات نارية من الأمام، وتلقّى ضربة سيف على ذراعه اليسرى ولم يذكر عن قطع رأسه أو التمثيل بها.

أكثر التقارير تفصيلاً للأحداث هو الذي أعده السردار ذات نفسه يوم 07 يناير 1893 ووقع عليه الجنرال السير فريدريك ويليام إدوارد ووكر قائد القوات البريطانية ) أصبح لاحقاً وحاكماً لمستعمرة جبل طارق (يوم 09 يناير 1893 .

يقول التقرير تبيّن من المعلومات التي استُخلصت من إفادات الأسرى أن القوة المعادية، أي قوات الأنصار، كانت تتألف من نحو ستمائة مقاتل من المشاة والفرسان، بقيادة الأمير حمّودة إدريس. وقد انسحبت هذه القوة إلى صرص، ثم تقدّمت خلال ليلة الحادي والثلاثين من ديسمبر 1892 لمهاجمة الحصن، حيث دار اشتباك بإطلاق النار، غير أنّها ووجِهت بمقاومة الكتيبة السابعة واضطُرّت إلى التراجع نحو صرص القديمة، وهو موقع صحراوي مكثت فيه حتى الساعة الخامسة والنصف صباحاً من يوم الأول من يناير 1893. وعند ذلك انسحبت جنوباً، فلاحقتها قوة من سلاح الفرسان والهجانة المرابطين في صرص. وكان خط المطاردة يسير بمحاذاة خط السكك الحديدية القديم الممتد عبر الصحراء من صرص إلى عكاشة.

وعندما بلغ النبأ الكولونيل وودهـاوس ( Wodehouse) ، صدرت الأوامر مساء الحادي والثلاثين من ديسمبر بإرسال ثلاث وحدات من سلاح الفرسان من حلفا، تحت قيادة الملازم داغويلار، D'Aguilar ترافقها وحدات من الهجانة وقوات غير نظامية، بإمرة الكابتن باين، ضابط الاستخبارات. وقد وصلت هذه القوة إلى صرص صباح الأول من يناير، ثم تابعت عمليات المطاردة .وفي الساعة السابعة والنصف من صباح الأول من يناير قُطع خط التلغراف شمال حلفا، وفي فترة ما بعد الظهر أو المساء من اليوم نفسه حاولت قوة قوامها نحو 350 من الأنصار، بقيادة الأمير عثمان أزرق، قطع خط السكك الحديدية والجسر الواقع شمال "جمي". غير أن هذه القوة اصطدمت بالرائد ديفيد ووحدة من الكتيبة العاشرة، الذين تمكنوا من صد الهجوم. وعلى إثر ذلك انسحب الأنصار على عجل، مخلفين وراءهم ثلاثة قتلى وجريحاً واحداً، وجملاً واحداً نافقاً، وخمسة جرحى وأربعة خيول، فضلاً عن سيوفهم وأكياس الذخيرة ومؤونتهم من التمور.

وأفاد الأسرى الجرحى بأن الأمراء عثمان أزرق، ود حمزة، وخيرالله كانوا حاضرين في مسرح الاشتباك. وبالاستناد إلى المعلومات الاستخبارية السابقة المتعلقة بخطة الغارة، تبيّن أن الأمير عثمان أزرق كُلِّف بقطع خط التلغراف شمال حلفا، ثم العودة للالتحاق بقوات الأمير حمّودة، التي كان من المفترض أن تكون قد سيطرت على قرية جمي. ويبدو جلياً أن الأمير عثمان أزرق لم يكن على علم بإخفاق الأمير حمّودة، وكان يتوقع أن يجده متحكماً في البلدة.وفي أثناء ذلك كان سلاح الفرسان، في إطار مطاردته لقوات الأمير حمّودة، قد قطع مسافة تُقدَّر بنحو 160 ميلاً خلال يومين، على مسافة تقارب خمسة عشر ميلاً جنوب صرص. أما الهجانة والقوات غير النظامية، وقد بلغ مجموع ما قطعوه نحو 120 ميلاً، فقد واصلوا التقدم جنوباً باتجاه أمبكول برفقة الكابتن باين. وفي الساعة السابعة والنصف من صباح الثاني من يناير، التقى الكابتن باين بالمؤخرة المنسحبة لقوات الأنصار عند أمبكول. وكانت جمال الأنصار في طور التحميل، فأنزل الكابتن باين رجاله عن الجمال، وأخفى جماله خلف بعض المرتفعات، ثم بادر إلى فتح النار من المرتفعات الواقعة إلى يسار الطريق، بينما كانت جماله متمركزة خلف جناحه الأيمن. فوجئت قوات الأنصار بهذا الهجوم المباغت، فتركوا جمالهم ولاذوا بالمباني المحصنة، في حين انسحب آخرون إلى التلال على مسافة تراوح بين 800 و1000 ياردة، حيث أعادوا تنظيم صفوفهم وفتحوا النار من جديد. واستمر القتال على هذا النحو قرابة ساعة، إلى أن خرجت من فجوة في التلال جماعة من فرسان الأنصار، كانوا حتى ذلك الحين غير ملحوظين، وتفاوتت التقديرات بشأن عددهم. وقد شنّ هؤلاء هجوماً على الجناح الأيمن لموقع فيلق الهجانة، بقصد واضح يتمثل في عزل الجنود الذين ترجلوا عن جمالهم وقطعهم عنها. ودار اشتباك عنيف، زادت حدته حين هاجمت جماعة أخرى من فرسان الأنصار، يتبعهم عدد من المشاة، الجناح الأيسر لفيلق الهجانة. ويبدو أن الكابتن باين تحرّك من موضعه في الوسط باتجاه الجناح الأيمن في محاولة لصد الهجوم، غير أنه سقط قتيلاً أمام مركز الموقع، بعد أن أُصيب بثلاث طلقات نارية من الأمام، وتلقّى ضربة سيف على ذراعه اليسرى. كما قُتل مساعد القائد، الرائد فؤاد أفندي، الذي كان يتولى القيادة المباشرة لفيلق الهجانة. وأمام التفوق العددي الكاسح للعدو، ومع فقدان الضابطين القائدين، اضطر الجنود المصريون إلى الانسحاب، بعد أن بلغت خسائرهم ستة وعشرين رجلاً من الهجانة، وثمانية من الجنود غير النظاميين، واثنين من عساكر المستشفيات، فضلاً عن خمسة عشر جريحاً، وفقدان خمسة وتسعين جملاً . وفور تلقيه نبأ الاشتباك العنيف الذي تعرّض له الهجانة، اندفع الملازم داغويلان بسلاح الفرسان نحو أمبكول، غير أن قوات الأنصار كانت قد انسحبت جنوباً. وقد عُثر في ساحة المعركة على جثث ثلاثين من الأنصار، فيما أُفيد بأن الجرحى الأنصار قد نُقلوا من الميدان. كما أُحصي وجود ستين جملاً وعشرين حصاناً نفقت في موقع القتال .ونُقلت جثة الكابتن باين إلى حلفا، حيث دُفن مع كامل المراسم العسكرية، كما نُقل جثمان مساعد القائد الرائد فؤاد أفندي ودُفن بالطريقة نفسها. أضاف شقير أن انسحاب جيش الأنصار كان نتيجة حيلة قام بها رجل المخابرات الذكي صالح جبرين شيخ هجانة المخابرات (من مواليد دنقلة)*  حيث صعد إلى أحد القمم القريبة وصاح مبشراً بوصول سلاح الفرسان الإنجليزي فصدق ذلك الأنصار وانسحبوا من ميدان المعركة على عجل وكان ذلك سبباً في نجاة بقية القوة المصرية.

هذه الحالة تختلف عن سابقاتها. لا يمكن الجزم، نفياً أو إثباتاً، بما جرى فعلياً لجثمان الكابتن باين. ويظل التساؤل مطروحاً عمّا إذا كانت استخبارات الجيش الإنجليزي المصري قد تعمّدت إخفاء حقيقة قطع رأسه والتمثيل به، تفادياً لتداعيات محتملة على الروح المعنوية للضباط والجنود، ولا سيما في ظل خشيتهم من أن تلقى حملتهم المصير ذاته الذي آلت إليه حملة إنقاذ غردون. وفي المقابل، لا يستبعد أن تكون عائلته الثرية والمتدينة قد سعت إلى تعظيم مكانته وإشاعة سيرته، بما يرفعه إلى منزلة رمزية تماثل منزلة غردون. وتبقى هذه التساؤلات مفتوحة، ومادةً لدراسة مستقلة لاحقة.

_________________________

*وُلِد صالح جبرين في شمال مدينة العرضي عام 1853م. كان والده من الكنوز، ووالدته محسية من بلدة فريق. عمل في بداية حياته بحّاراً في المراكب التجارية، ثم ترك هذه المهنة وارتحل مع خاله خالد إلى مصر،  وعندما اندلعت الثورة المهدية، التحق بسلك العسكرية التركية، وسار مع مصطفى ياور باشا، حاكم مديرية دنقلة لمحاربة الشيخ أحمد الهِدّي في معركة الدبة الثانية، وشهد عدة معارك عسكرية انتصر فيها ياور باشا. وعقب صدور الأوامر بإخلاء دنقلة وانسحاب القوات المصرية، قدّم صالح استقالته وبقي في دنقلة. ونتيجة لحدوث خلاف بينه وبين دعاة المهدية، فرّ إلى مركز الحدود في حلفا، وذلك عام 1888م، حيث عُيِّن هجّاناً في جهاز المخابرات. وقد عُرف بنشاطه ومعرفته الدقيقة بالطرق المؤدية إلى معسكرات الأنصار، فكان عوناً للجنرال هنتر الذي وثق به. وعندما تحركت الحملة العسكرية لاستعادة السودان عام 1896م، تعهّد صالح بتولي نقل البريد على امتداد مسير الجيش، فشهد معظم المعارك الحربية، وعُيِّن شيخاً لهجانة المخابرات. وعندما بلغ جهاز المخابرات أمر الخليفة محمد شريف واستعداده لمناوأة الحكومة، أوفدت الحكومة صالح جبريل لإقناعهم بالمثول أمام الحكومة في الخرطوم، أو إرسال ابني المهدي لتقديم اعتذار عن البلاغ الكاذب الذي وصل إلى المخابرات، إلا أنهم رفضوا، فتم إرسال باخرة مسلحة قضت عليهم. وفي عام 1901م، انتُدب صالح مبعوثاً لدى السلطان علي دينار. وفي سنة 1916م قام باكتشاف طريق الصحراء، وذلك نتيجة تخوف الإنجليز من احتمال إمداد الألمان والأتراك للسلطان علي دينار بالسلاح. وقد أنجز هذه المهمة في ظروف شديدة المشقة، مما زاد من إعجاب الإنجليز به.

المراجع:

 -1نعوم شقير، تاريخ السودان، تحقيق وتقديم محمد إبراهيم أبو سليم، دار الجيل بيروت،1981 صفحة 850

 2- Sir Francis Reginald Wingate papers include a 30 January 1893 report on the Imperial War Museums. Memorial record for Captain John Compton Pyne. Imperial War Museums War Memorials Register

3- Cobbold Family History Trust. “John Compton Pyne (1865–1893).” Family Tree Biographies.

4- War Memorials Online. “Captain John Compton Pyne, Royal Military Academy Sandhurst Memorial.”

5- War Memorials Online. “Captain John Compton Pyne, Sherborne Abbey Memorial.”

6- Wingate, Francis Reginald. Report on the circumstances connected with the death of Captain J. C. Pyne at Ambigol Wells, 1893. F. R. Wingate Papers, Durham University Library Archives.

7- “The Graphic.” “Death of Captain J. C. Pyne.” The Graphic, 14 January 1893. Referenced via War Memorials Online, Sherborne Abbey entry.

8-Glosters Military History. “Egypt and Sudan Campaign Casualties.” https://glosters.tripod.com/egyptz.ht,  (accessed 29 December 2025).

9- Pyne, John Compton. A Journal of Three Months’ Walk in Persia in 1884. Leiden: Brill, reprint edition

الأحد، 12 أكتوبر 2025

روزا والسواقة بالخلا عبدالرحيم محمد صالح

 

                                                          روزا والسواقة بالخلا
                                                       عبدالرحيم محمد صالح
في ثمانينات القرن الماضي، في زمن لم يكن فيه للإنترنت وجود، ولا للبحث العلمي ملاذ سوى رفوف المكتبات المتربّة، كنا طلاباً في الجامعة، نتلقّى العلم من أفواه أساتذتنا، يقيناً لا يُراجع. وذات سمستر، حضر إلينا أستاذ زائر، جاء ليملأ مكان أستاذنا الأصلي، الذي خرج في إجازة "السابتيكال" ، ذاك الطقس الأكاديمي المعروف الذي يتخفّى فيه الأساتذة وراء البحث! المهم، جاء الأستاذ البديل يحدثنا عن روزا لوكسمبورغ والماركسية! وفاجأنا، لا فضّ فوه، بقوله نصّا لا تفسيراً وبيقين يُحسد عليه" كنت أظن أن روزا لوكسمبورغ امرأة، لكنني، وبعد مراسلات معها، اكتشفت أنه رجل!". وسجّلنا في دفاترنا هذا "الكشف التاريخي"، وانتشينا بالمعرفة، فقد زُفّت إلينا معلومة لم ترد حتى في كتب الرفيق لينين! ومضت الأعوام، وتقلّبت الأيام، وها أنا بعد سنوات، في زيارة إلى برلين، متوجّه صوب برج التلفزيون Berliner Fernsehturm، فإذا بي أمرُّ بساحة جميلة، مستديرة، نظيفة على غير ما عرفت من مياديننا وإذا بلافتة كُتب عليها: "تذكار روزا لوكسمبورغ"Rosa‑Luxemburg‑Platz . تأمّلت، قرأت، تحقّقت... فإذا هي امرأة فعلاً، لا شَكّ في ذلك. لا رجل، ولا متحوّلة، ولا شخصية افتراضية. بل تبيّن أنها مناضلة من أصل بولندي قُتلت عام 1919، أي قبل أن يُولد أستاذنا بما لا يقل عن نصف قرن!! فكيف تراسل معها؟ اللهم إلا إذا كان في جلسة استحضار الأروح؟ قرأت فيما بعد كتابها الشهير المدهش "رسائل من السجن" (Briefe aus dem Gefängnis) وآرائها في ومناهضة النزعة العسكرية، والحركة الأممية البروليتارية. ما قاله لنا أستاذنا الهمام لا علاقة له بأفكارها. ما عرفت هل أبكي على روزا أم أبكي على السواقة بالخلا؟
 

الأحد، 31 أغسطس 2025

كتابات على رملٍ زاحف (٢)

 

كتابات على رملٍ زاحف (٢)
عبدالرحيم محمد صالح
دخلت تفكيري "منسربة بشيش" تنكث رف الذكريات ودفعتني لمراجعة كتابها المطمور في أدراج الذاكرة عبر أصداء مرتجعة من بلاد "الطراوة"، من رمال قوز اللباب. لفح وجهي "سموم" ذات التحدي نفسه كيف أكتب عن امرأة لمجتمع يرفع الرجال فيه العصا لمجرد ذكر اسم إحداهن! لكن ظلّ يحثني صوت طروب فريد وأكف تصفق وروائح وعطور ووجوه ساحرة آتية من أزمان مضت هبطت بعبقها على قلبي! كانت لا تبدأ حفلات اللعب في الأعراس إلا بوجود زوجها شرط أن يكون أول من يبشر ويعرض. كان يندرج (يربط شاله على خاصرته) يبرم شاربيه ثم يبرج (نوع من العرضة) ثم يعرض على ايقاع "الكباشي" ودلوكة تهبك "عبدالرحيم مالو ماجا، الكرّار مالو ماجا، سيد الدار مالو ما جاء، الهدّار مالو ما جاء" كان يهوش وينظر في وجوه الرجال يدقق في عيونهم واحداً واحداً يبحث عن متحدٍ (تقولي روميو وجوليت؟). في زمن كان فيه الزار عند النساء كالدكاي عند الرجال مقبول ثقافياً والمخمور يقال له "شبعان"، أما المريسة ومشتقاتها كانوا يسمونها "العيش"، وهذا درب آخر فنحن لا نستطيع محاكمة "جهل الماضي" بمعايير "وعي" اليوم، إن صحّت المصطلحات. أما في مناسبات الزار النسائية كانت تلبس ثوباً "أحمر زاهي" وهي تمسك بمقود حلقات طقس الزار. استرقتُ السمعَ مع بعض أصدقاء الطفولة على إحدى حلقات الزار تلك والتي كانت هي ربان سفينتها وحين سمعتها تغني " أحمد البشير الهدندوي" دخلتُ، أنا، في ذهول فدسترتُ وعسكرتُ في آن واحد. والدسترة هي أن يفقد الانسان وعيه ويأتي بحركات لا إرادية في حلقة الزار أما العسكرة هي يفقد الانسان وعيه ويأتي بحركات لا إرادية في حلقة الذِّكر. امرأة لها ايقاع وصوت لو سمعه المبارك شيخ الظهر لجلس أمامها تلميذاً مبتدئاً. وحين تغنت بـ "النونكَرَرِي" بكلمات من لغة لا نفهمها صرنا كرقعة في سير طاحونة ذلك الايقاع وسَبَحنا في حالة "البين بين" حتى كادت أرواحنا أن تنفصل عن الأجساد. كانت حين تتحدث تتكلم بعبارات واضحة لا تحتاج شرح ولا تبيين ، ظلت على جمالها الذي ما رأينا مثله أبداً، بل ظلت أجمل من الشابات حتى بعد أن تقدم بها العمر. يؤديها بعض علماء علم النفس ويخالفها الفقهاء لكن في قرارة نفسها ما كان لديها ذرة شك أن رقص الزار علاج . ارتحلت لكن بقيت بيننا بذكرياتها وكرمها الفياض وضحكتها الحنون ووجها الذي لا يُنسى، لها الرحمة والمغفرة.No photo description available.

على الطريق إلى بلاد الحنين والوجع

 

على الطريق إلى بلاد الحنين والوجع
عبدالرحيم محمد صالح
كنت أقلّب دفتر أفكاري وأتجول على تخوم حيرتي وأنا أبحث عن مخرج شريان الشمال، أعداد مهولة من الناس عند سوق ليبيا! يقولون إنّ المدن بحار يغرق فيها الناس ولايموتون، صحي والله! المدن اعتادت حياة معذبيها وهم اعتادوا عذاباتها في بلاد نخر عظامها الفسدة و الفاسدون. نظرت عبر نافذة السيارة وقد مالت الشمس الضحا إلى سرة السماء والسيارة تئن عبر الطريق مُيمِّماً شطر الشمال ، إنها حرارة شمس أغسطس التي أدركها جزء من الخريف ومسها شيء من أواخر الصيف ، رأيت بيوت الطين والطوب تعدو إلى الخلف بلونها المائل إلى لون التراب متناثرة في أرض جرداء في بلاد الشمس الحارقة، ثمة وجوه رأيتها كالحة، ضامرة، حزينة، قليلة الكلام على حواف الطريق و"الرزق من الله". لماذا على وجوههم كل تلك القسوة وكل ذلك البؤس ؛ توقفت عند نقطة التفتيش. تقدمت نحو باب السيّارة شابة ممشوقة "متبلمة" لايظهر من وجهها غير عينيها، راحت تتفحص وجهي ملياً ثم قالت مترددة "قدمني معاك ماشية الدبة" بدا لي من سرعة حركة بؤبؤها أنّ خوف ما يداهمها، ربما ألهبتها سياط ذكرى دفينة أثارها شدو صديق أحمد الآتي من سماعات السيارة " من الدبة وإنجرا سريع النهمة فاتا جِرا وجروح قلبي الـ أبت تبرا" لست أدري!! عطفت على حالها معتذراً بأدب وقلت لها خذي هذه أركبي البص أزكى وأكثر أماناً. حين رأى ذلك رجل التفتيش أومأ شاكراً أمرني بالمرور دون أن يسألني.
كنت في جلباب رمادي وذلك " فأل قديم عندنا" كان لايسافر أجدادنا (إلى الريف) إلا وهم في جلباب رمادي وأنا الوحيد بين أخوتي وبني عمومتي الذي يسكنه فأل السفر في جلباب رمادي لا أسافر إلى دنقلا أو منها إلا في جلباب رمادي. وصلت الملتقى بعد مشوار طويل لاشيء فيه غير الأسفلت والصحراء والقليل من الشاحنات. هرع بعض بائعي المناديل الورقية والحلوى نحوي لكن ما أن نزلت من السيارة تركوني وانصرفوا! أخذت كوب قهوة بعد أن صليت وجلست إلى جوار رجل كبير في السن يمد ساقية على المصلاية أمامه وبجواره عكازته. تحدثنا بعد الصلاة والقهوة فعرفت أنه من اب عروق في شمال كردفان، ذكرت له أني كنت ضيفاً عند الناظر آدم ودحسن ودنمر ناظر الهواوير في منتصف تسعينات القرن الماضي تهلل وجهه وتحدثنا كثيراً، ودعته قبل أن انصرف أحضر لي كرتونة منقة فاخرة وأقسم ألّا ياخذ مليماً. فتأكدت أن تحت ذلك البؤس والشقاء رجال قلوبها من ذهب.وصلت الدوم بسلام، لمعت عينا والدتي عليها رحمة وتهللت وجهها وتداخلت مشاعرها وأنا أخطو مسرعاً نحوها للسلام ، لا أعرف سبباً للمعة عينيها وتداخل مشاعرها ربما ذكرتها تلك "الجلابية الرمادية" أيام خلت ، أيام كان والدي يسافر بالإبل الريف ونحن أطفالاً فتلقننا "يا قميري اترسلي ـ أمشي في مَصُر انزلي ـ قولي للراجياه اليجي"No photo description available.

كتابات على رملٍ زاحف (5)

 

كتابات على رملٍ زاحف (5)
فارس بلا فرس
الخرطوم 1980
مَرَّ من خلفهما دون أن يسترق السمع وهو يسير علىُ شارع النيل قريباً من بوابة الجامعة! سمعها تقول لجليسها بصوت فيه غنج "ياولد ح تكمل زهور الـبتونكال قاردن وأنت تقطف لي منها كل يوم واحدة" كان رد جليسها حاضراً "هم لوشافوا الزهرة دي لتركوا زراعة الزهور"، أسرع الخطا مبتعداً وقد نمت على وجهه ابتسامة! هناك رجالٌ الواحد منه مثل قوس الكمنجة يعرفون ملامسة أوتار العشق عند الغانيات! "حَنَك" في لغة شباب اليوم"! قال في نفسه "إحنا تطير عيشتنا، لا عربية، لا قروش،لا تربية بنادر ولا طويل أخدر قيافة" أخذته الغيرة واكتسى بالعداوة بل بات أعدى من الشنفرى، وبدأت قواسيب الكآبة تغزو مساحات جوفه وظلت تخوجل في زواياه المليئة بثوابت وأعراف ظلت على طاولة ذاكرته تؤانسنه وتضئ له الدروب! مثل كثير من أنداده أولئك الذين نشأوا في الريف على رغاء الإبل وثغاء الماعز قليلو المعرفة بالرومانس بنت الدنيا بينهم وبين مايريدون في المدن حائطاً من الفارق الثقافي عليه بعض الفقر وقلة الحيلة ومساحات لا يمكن عبورها. القادمون من بلاد لا أنوار عدا فوانيس قليلة شحيحة الضوء تقف في وجه الظلام إلى بلاد الكهارب والمصابيح الملونة! بلاد يناكف فيها النهارُ الليلَ ولا يمنح الليل فيها الهدوء والطمأنينة كما اعتاد. أتوا من بلادٍ كل شيء فيها كتابٌ مفتوح تكاد تتلاشى فيها الأسرار إلى عالم الخصوصية في بلاد فيها العطور باسماءٍ أجنبية وموسيقى لاتشنِّف لهم أذناً، وسينما وبارات ونساء رشيقات وفتيات وفتية يتجولون في الأسواق. بلاد ينظر فيها الناس إلى ساعاتهم كثيراً والحياة فيها سريعة الايقاع لا تعطي إلا بمقابل! سلك مسار الاجتهاد سوّد صفحات الدفاتر بمداد أفكاره فبرع ونبغ وحافظ على صفحة ذاته بيضاء ناصعة. وجد نفسه في أركان النقاش والندوات والمنتديات والقراءة يفرُّ إليها من حياة المدن، الناس، السيارات، الأضواء، الأزدحام والصخب، فلاسيارة له يغسلها ولا بيت له ليرش أمامه في العصريات ولازيارات عائلية! كان مثل حي بن يقظان في رواية ابن طفيل يتعلم من خلال الملاحظة والتجربة والاستدلال، لكنه ينتظر حدوث شيءٍ لا يعرفه! كأنه كان في انتظار "إزميرالدا" ربانيّة كبطلة رواية أحدب نوتردام يرسلها الله له فيكسر بها الطوق ويكون له مثل ماعند الآخرين ويساعد أهله المنتظرين! مرّت الأيام تتغير الأشياء لكن هناك ثابت واحد ضمن الثوابت لم يتغير أبداً حبّه لأهله واعرافهم وتقاليدهم فبلده تعزُّ عليه لو أن الجدران تنطق لأخبرت. خمس سنوات ظل يحارب فيها شجرة الجهل فيه ليجتثها فزرع وحصد وتخرّج بمرتبة الشرف وصمدَ يركل ثعالب المغريات بقدمه، وظلّ هناك فارس بلا فرس ما غزا يوماً ولا سلب لكنه عاد عودة الفرسان العائدين من معركة رابحة.No photo description available.

 

المفقودات والمعثورات (Lost and Found): الأمانة والضمير الجمعي
عبدالرحيم محمد صالح
في زحام المدن، حيث يسير إيقاع الحياة متسارع كأنه يطارد الزمن، قد تسقط منا أشياء مادية بسيطة: محفظة، هاتف، لكن فقدانها، يختبر شيئاً أعمق من قيمتها المادية؛ فهي تختبر ضمير المجتمع، وتقيس صدق الفرد! هنا في الغرب ولست هنا بصدد المقارنة، لكن في كثير من الدول الغربية، لا تُعتبر إعادة المفقودات فعلاً بطولياً، بل هي فعل "بديهي"، أشبه بانعكاس طبيعي لما يجب أن يكون. يُسلِّم الإنسان ما وجده دون أن يفكر فيما قد يكسبه، لأن ما يُحرِّكه ليس القانون فحسب، بل شعور داخلي بأن ما ليس له لا ينبغي أن يُمس، وكأن هناك عقداً أخلاقياً ملزماً غير مكتوب بينه وبين الآخر المجهول. هذا الجانب من هذه الثقافة، التي تبدو في ظاهرها بسيطة، تحمل في جوهرها فلسفة أخلاقية عميقة؛ إنها اعتراف غير منطوق بأن المجتمع لا يقوم على القوانين فقط، بل على النوايا. ففي لحظة إيجاد شيء ضائع، يُوضع الفرد في مواجهة مع ذاته، ويُمنح حرية أن يختار بين الاستحواذ أو الإرجاع، بين المنفعة الشخصية أو الأمانة. ومن يختار الإرجاع، إنما يُعلن بصمته أن الأخلاق أسمى من الغريزة . ولعل ما يجعل هذه الظاهرة أكثر إدهاشاً للذين اهترأت قماشة أخلاقهم، أنها تحدث دون كاميرات، دون تهديد، دون رقابة؛ بل تحدث في الخفاء، حيث يكون الإنسان وحده في مواجهة إنسانيته. هنا تتجلّى الأخلاق، لا كمجموعة قواعد تُفرض من الخارج، بل كصوت داخلي ينبع من التربية، من الثقافة، من الإيمان بقيمة الآخر. إن وجود أقسام "المفقودات والمعثورات" في محطات القطار، المدارس، الجامعات، والمطارات ، ليس مجرد خدمة عامة، بل هو تجسيد مادي لقيمة روحية أخلاقية: الأمانة. إنها ليست فقط أن نُعيد ما ضاع، بل أن نُعيد الثقة في أن الإنسان، وسط كل هذا الضجيج وتسارع الحياة، لا يزال قادرًا على أن يكون جديراً بأن يُقال عنه إنساناً. أما أن تضج وسائط الميديا بأن رجلاً من الجنسية السودانية أعاد حقيبة رجل ثري فيها مبلغ من المال هو الإفلاس بعينه لأن إعادة شيء مفقود لصاحبه دون ضوضاء وضجيج مفروض يكون الـ default دون انتظار شكر أو مقابل. مش كدة؟
May be a doodle
حجّة الإسلام أبو حامد الغزّالي : أكثر علماء المسلمين كتابة عن الأمانة