رؤوس قُطِعت ومُثِّلَ بها (6)
عبدالرحيم محمد صالح
Captain John Compton Pyne
كنا قد تحدثنا في مقالات سابقة عن "رؤوس الباشوات السمر" وهما رأسان لضابطين سودانيين أوقع بهما ابراهيم فوزي كان قد أعدمهما غردون، بتهمة الخيانة، في محاكمة عسكريّة عاجلة قبيل سقوط الخرطوم. الرأسان المجزوزان كان يحملهما معه استيورت باشا كـ "تذكارات حرب" على متن الباخرة عباس والتي اصطدمت بحجر قرابة جزيرة أم دويمة حيث قتل استيورت ومن معه وقطعت رأسه ورمي بها مع الرؤوس التي كان يحملها لتأكلها تماسيح دار المناصير الشهيرة، وتحدثنا عن رأس الشيخ نعيم شيخ عرب الرباطاب وتحدثنا كذلك عن رأس الشيخ البركة ود الحاج شيخ عرب العبابدة والتي طِيف بها مديريات السودان، ثم رأس الشيخ فضل ود سالم التي قطعه الأمير جريجير ود تمساح بفأس وأرسله إلى أمدرمان في مخلاية وقبل ذلك كله رأس الجنرال غردون.
وذكرنا أنّ قطع الرؤوس والتمثيل بها يُراد إزاحة الآخر كلياً، كناية عن الغلبة والانتصار. فضلاً عن الرسالة التهديدية التي يحملها هذا المشهد بغية تحذير الناس من الإقدام على التجرّؤ على السلطة ومنظومتها. في السياقات الاستعمارية، كانت الرؤوس المقطوعة تؤدي أحياناً وظيفة مختلفة؛ إذ كانت تُعرض بوصفها وسائل تحذير، أو غنائم نصر، أو أدلة على القتل في السجلات العسكرية والإدارية. وعندما كانت الرؤوس تُحتفظ بها للعرض العام أو لأغراض رسمية، استُخدمت وسائل مختلفة لإبطاء التحلل. وقد اختلفت هذه الأساليب باختلاف المناطق والظروف، وكان الهدف منها في الغالب الحفاظ على إمكانية التعرّف عليها بسهولة. وشملت هذه الوسائل أشكالاً بدائية من التحنيط، أو التجفيف، أو غيرها من التقنيات المعروفة آنذاك.
الرأس المقطوع في هذه الحلقة من سلسلة أنثروبولوجيا العنف في تاريخ السودان الحديث، ويجب أن ينظر إلى عملية قطعه للتمثيل به أنّها حدثت وقت حرب وفي أرض المعركة، هو الرأس الظاهر في الصورة أعلاه، وهو للنقيب جون كومبتون باين، الذي قُتل قرب آبار أمبكول في منطقة بطن الحجر في الثاني من يناير عام 1893م. وكانت لعائلته صلة قرابة بعائلة اللورد كتشنر. ينحدر جون كومبتون باين من إقليم شرق أنجليا (East Anglia)، وهو الابن الثاني للقس إدوارد ديلمان باين. أُرسل إلى مدرسة أبنغهام (Uppingham) نحو عام 1869م، حيث تصدّر دفعته، ثم التحق بكلية ساندهيرست محققاً المرتبة الأولى. وباعتباره ضابطاً شاباً واعداً، مُنح إجازة لتحقيق طموح شخصي تمثّل في القيام بمسيرة امتدت ثلاثة أشهر عبر قلب بلاد فارس، أنجزها عام 1884م. وقد حمل معه كماناً كان يعزف عليه ببراعة، مستحضراً صورة المغنّين الجوالين في العصور الوسطى، الذين ذاع صيتهم في أوروبا، ولا سيما في جنوب فرنسا. وقد دوَّن مذكّراته، التي نُشرت لاحقاً تحت عنوان: "يوميّات رحلة سيرٍ على الأقدام استغرقت ثلاثة أشهر في بلاد فارس عام 1884". وإلى جانب أذنه الموسيقية المرهفة، امتلك حسّاً فنياً لا يقل تميّزاً؛ إذ كان رسّاماً موهوباً ومصوّراً توضيحياً متمكناً، ولا يزال جانب معتبر من نتاج قلمه وريشته محفوظاً في المتحف العسكري لديفون ودورست بمدينة دورتشستر. رُقّي إلى رتبة نقيب عام 1885م، وشارك في الحرب الأفغانية كما شهد معركة قندهار التي نال عنها وسام أفغانستان. وفي عامي 1889–1890م التحق بكلية الأركان، وتخرّج فيها محققاً مرتبة متقدمة بين أقرانه. ثم أُلحق عام 1892م بوحدة الاستخبارات في الجيش المصري، وشغل منصب المساعد الميداني (Aide-de-Camp) لابن عمه، العميد اللورد كتشنر، سردار الجيش المصري.
تقول المذكرات الخاصة، والتي أعدتها ونشرتها عائلته، إن الكابتن باين كان يدافع عن آبار أمبكول بمنطقة بطن الحجر مع مجموعة من الجنود في الثاني من يناير ١٨٩٣، عندما هاجمت قوات الأنصار وقتلته مع عدد من الجنود. وتم قطع رأسه وإرساله إلى أمدرمان مع نظارته ومسدسه، حيث حُمِل بعد ذلك إلى أمدرمان، فطيف به كل أحياء البقعة في طبق أبيض، ثم أمر الخليفة بوضع رأس باين على عمود خشبي خارج مسجده. وأن باقي الجسد تم دفنه في المقبرة العسكرية في وادي حلفا. قُتل معه في معركة أمبكول ٣٦ جندياً مصرياً وحوالي ٥٠ من قوات الأنصار. وهذا هو المصدر الوحيد الذي ذكر أن رأس الكابتن قد قُطِع وحُمل إلى أمدرمان ومُثِّلَ به.
ذكرت تقارير المخابرات تفاصيل المعركة واغتيال الكابتن لكنها لم تذكر شيئاً عن قطع رأسه أو التمثيل به. فقد أرسل العميد اللورد كتشنر والذي كان يشغل سردار الجيش المصري برقية تعزية من القاهرة في 4 يناير 1893عبّر فيها عن أسفه لوفاة باين. وكتب أن باين "قُتل في ساحة القتال بعد اشتباك عنيف مع الدراويش استمر عدة ساعات"، كما فصّل ظروف إصابته، وذكر أن جثمانه سيُنقل إلى صرص لدفنه. كما ذكر ونقيتWingate في مذاكرته، أن باين أُصيب بثلاث طلقات نارية من الأمام، وتلقّى ضربة سيف على ذراعه اليسرى ولم يذكر عن قطع رأسه أو التمثيل بها.
أكثر التقارير تفصيلاً للأحداث هو الذي أعده السردار ذات نفسه يوم 07 يناير 1893 ووقع عليه الجنرال السير فريدريك ويليام إدوارد ووكر قائد القوات البريطانية ) أصبح لاحقاً وحاكماً لمستعمرة جبل طارق (يوم 09 يناير 1893 .
يقول التقرير تبيّن من المعلومات التي استُخلصت من إفادات الأسرى أن القوة المعادية، أي قوات الأنصار، كانت تتألف من نحو ستمائة مقاتل من المشاة والفرسان، بقيادة الأمير حمّودة إدريس. وقد انسحبت هذه القوة إلى صرص، ثم تقدّمت خلال ليلة الحادي والثلاثين من ديسمبر 1892 لمهاجمة الحصن، حيث دار اشتباك بإطلاق النار، غير أنّها ووجِهت بمقاومة الكتيبة السابعة واضطُرّت إلى التراجع نحو صرص القديمة، وهو موقع صحراوي مكثت فيه حتى الساعة الخامسة والنصف صباحاً من يوم الأول من يناير 1893. وعند ذلك انسحبت جنوباً، فلاحقتها قوة من سلاح الفرسان والهجانة المرابطين في صرص. وكان خط المطاردة يسير بمحاذاة خط السكك الحديدية القديم الممتد عبر الصحراء من صرص إلى عكاشة.
وعندما بلغ النبأ الكولونيل وودهـاوس ( Wodehouse) ، صدرت الأوامر مساء الحادي والثلاثين من ديسمبر بإرسال ثلاث وحدات من سلاح الفرسان من حلفا، تحت قيادة الملازم داغويلار، D'Aguilar ترافقها وحدات من الهجانة وقوات غير نظامية، بإمرة الكابتن باين، ضابط الاستخبارات. وقد وصلت هذه القوة إلى صرص صباح الأول من يناير، ثم تابعت عمليات المطاردة .وفي الساعة السابعة والنصف من صباح الأول من يناير قُطع خط التلغراف شمال حلفا، وفي فترة ما بعد الظهر أو المساء من اليوم نفسه حاولت قوة قوامها نحو 350 من الأنصار، بقيادة الأمير عثمان أزرق، قطع خط السكك الحديدية والجسر الواقع شمال "جمي". غير أن هذه القوة اصطدمت بالرائد ديفيد ووحدة من الكتيبة العاشرة، الذين تمكنوا من صد الهجوم. وعلى إثر ذلك انسحب الأنصار على عجل، مخلفين وراءهم ثلاثة قتلى وجريحاً واحداً، وجملاً واحداً نافقاً، وخمسة جرحى وأربعة خيول، فضلاً عن سيوفهم وأكياس الذخيرة ومؤونتهم من التمور.
وأفاد الأسرى الجرحى بأن الأمراء عثمان أزرق، ود حمزة، وخيرالله كانوا حاضرين في مسرح الاشتباك. وبالاستناد إلى المعلومات الاستخبارية السابقة المتعلقة بخطة الغارة، تبيّن أن الأمير عثمان أزرق كُلِّف بقطع خط التلغراف شمال حلفا، ثم العودة للالتحاق بقوات الأمير حمّودة، التي كان من المفترض أن تكون قد سيطرت على قرية جمي. ويبدو جلياً أن الأمير عثمان أزرق لم يكن على علم بإخفاق الأمير حمّودة، وكان يتوقع أن يجده متحكماً في البلدة.وفي أثناء ذلك كان سلاح الفرسان، في إطار مطاردته لقوات الأمير حمّودة، قد قطع مسافة تُقدَّر بنحو 160 ميلاً خلال يومين، على مسافة تقارب خمسة عشر ميلاً جنوب صرص. أما الهجانة والقوات غير النظامية، وقد بلغ مجموع ما قطعوه نحو 120 ميلاً، فقد واصلوا التقدم جنوباً باتجاه أمبكول برفقة الكابتن باين. وفي الساعة السابعة والنصف من صباح الثاني من يناير، التقى الكابتن باين بالمؤخرة المنسحبة لقوات الأنصار عند أمبكول. وكانت جمال الأنصار في طور التحميل، فأنزل الكابتن باين رجاله عن الجمال، وأخفى جماله خلف بعض المرتفعات، ثم بادر إلى فتح النار من المرتفعات الواقعة إلى يسار الطريق، بينما كانت جماله متمركزة خلف جناحه الأيمن. فوجئت قوات الأنصار بهذا الهجوم المباغت، فتركوا جمالهم ولاذوا بالمباني المحصنة، في حين انسحب آخرون إلى التلال على مسافة تراوح بين 800 و1000 ياردة، حيث أعادوا تنظيم صفوفهم وفتحوا النار من جديد. واستمر القتال على هذا النحو قرابة ساعة، إلى أن خرجت من فجوة في التلال جماعة من فرسان الأنصار، كانوا حتى ذلك الحين غير ملحوظين، وتفاوتت التقديرات بشأن عددهم. وقد شنّ هؤلاء هجوماً على الجناح الأيمن لموقع فيلق الهجانة، بقصد واضح يتمثل في عزل الجنود الذين ترجلوا عن جمالهم وقطعهم عنها. ودار اشتباك عنيف، زادت حدته حين هاجمت جماعة أخرى من فرسان الأنصار، يتبعهم عدد من المشاة، الجناح الأيسر لفيلق الهجانة. ويبدو أن الكابتن باين تحرّك من موضعه في الوسط باتجاه الجناح الأيمن في محاولة لصد الهجوم، غير أنه سقط قتيلاً أمام مركز الموقع، بعد أن أُصيب بثلاث طلقات نارية من الأمام، وتلقّى ضربة سيف على ذراعه اليسرى. كما قُتل مساعد القائد، الرائد فؤاد أفندي، الذي كان يتولى القيادة المباشرة لفيلق الهجانة. وأمام التفوق العددي الكاسح للعدو، ومع فقدان الضابطين القائدين، اضطر الجنود المصريون إلى الانسحاب، بعد أن بلغت خسائرهم ستة وعشرين رجلاً من الهجانة، وثمانية من الجنود غير النظاميين، واثنين من عساكر المستشفيات، فضلاً عن خمسة عشر جريحاً، وفقدان خمسة وتسعين جملاً . وفور تلقيه نبأ الاشتباك العنيف الذي تعرّض له الهجانة، اندفع الملازم داغويلان بسلاح الفرسان نحو أمبكول، غير أن قوات الأنصار كانت قد انسحبت جنوباً. وقد عُثر في ساحة المعركة على جثث ثلاثين من الأنصار، فيما أُفيد بأن الجرحى الأنصار قد نُقلوا من الميدان. كما أُحصي وجود ستين جملاً وعشرين حصاناً نفقت في موقع القتال .ونُقلت جثة الكابتن باين إلى حلفا، حيث دُفن مع كامل المراسم العسكرية، كما نُقل جثمان مساعد القائد الرائد فؤاد أفندي ودُفن بالطريقة نفسها. أضاف شقير أن انسحاب جيش الأنصار كان نتيجة حيلة قام بها رجل المخابرات الذكي صالح جبرين شيخ هجانة المخابرات (من مواليد دنقلة)* حيث صعد إلى أحد القمم القريبة وصاح مبشراً بوصول سلاح الفرسان الإنجليزي فصدق ذلك الأنصار وانسحبوا من ميدان المعركة على عجل وكان ذلك سبباً في نجاة بقية القوة المصرية.
هذه الحالة تختلف عن سابقاتها. لا يمكن الجزم، نفياً أو إثباتاً، بما جرى فعلياً لجثمان الكابتن باين. ويظل التساؤل مطروحاً عمّا إذا كانت استخبارات الجيش الإنجليزي – المصري قد تعمّدت إخفاء حقيقة قطع رأسه والتمثيل به، تفادياً لتداعيات محتملة على الروح المعنوية للضباط والجنود، ولا سيما في ظل خشيتهم من أن تلقى حملتهم المصير ذاته الذي آلت إليه حملة إنقاذ غردون. وفي المقابل، لا يستبعد أن تكون عائلته الثرية والمتدينة قد سعت إلى تعظيم مكانته وإشاعة سيرته، بما يرفعه إلى منزلة رمزية تماثل منزلة غردون. وتبقى هذه التساؤلات مفتوحة، ومادةً لدراسة مستقلة لاحقة.
_________________________
*وُلِد صالح جبرين في شمال مدينة العرضي عام 1853م. كان والده من الكنوز، ووالدته محسية من بلدة فريق. عمل في بداية حياته بحّاراً في المراكب التجارية، ثم ترك هذه المهنة وارتحل مع خاله خالد إلى مصر، وعندما اندلعت الثورة المهدية، التحق بسلك العسكرية التركية، وسار مع مصطفى ياور باشا، حاكم مديرية دنقلة لمحاربة الشيخ أحمد الهِدّي في معركة الدبة الثانية، وشهد عدة معارك عسكرية انتصر فيها ياور باشا. وعقب صدور الأوامر بإخلاء دنقلة وانسحاب القوات المصرية، قدّم صالح استقالته وبقي في دنقلة. ونتيجة لحدوث خلاف بينه وبين دعاة المهدية، فرّ إلى مركز الحدود في حلفا، وذلك عام 1888م، حيث عُيِّن هجّاناً في جهاز المخابرات. وقد عُرف بنشاطه ومعرفته الدقيقة بالطرق المؤدية إلى معسكرات الأنصار، فكان عوناً للجنرال هنتر الذي وثق به. وعندما تحركت الحملة العسكرية لاستعادة السودان عام 1896م، تعهّد صالح بتولي نقل البريد على امتداد مسير الجيش، فشهد معظم المعارك الحربية، وعُيِّن شيخاً لهجانة المخابرات. وعندما بلغ جهاز المخابرات أمر الخليفة محمد شريف واستعداده لمناوأة الحكومة، أوفدت الحكومة صالح جبريل لإقناعهم بالمثول أمام الحكومة في الخرطوم، أو إرسال ابني المهدي لتقديم اعتذار عن البلاغ الكاذب الذي وصل إلى المخابرات، إلا أنهم رفضوا، فتم إرسال باخرة مسلحة قضت عليهم. وفي عام 1901م، انتُدب صالح مبعوثاً لدى السلطان علي دينار. وفي سنة 1916م قام باكتشاف طريق الصحراء، وذلك نتيجة تخوف الإنجليز من احتمال إمداد الألمان والأتراك للسلطان علي دينار بالسلاح. وقد أنجز هذه المهمة في ظروف شديدة المشقة، مما زاد من إعجاب الإنجليز به.
المراجع:
-1نعوم شقير، تاريخ السودان، تحقيق وتقديم محمد إبراهيم أبو سليم، دار الجيل بيروت،1981 صفحة 850
2- Sir Francis Reginald Wingate papers include a 30 January 1893 report on the Imperial War Museums. Memorial record for Captain John Compton Pyne. Imperial War Museums War Memorials Register
3- Cobbold Family History Trust. “John Compton Pyne (1865–1893).” Family Tree Biographies.
4- War Memorials Online. “Captain John Compton Pyne, Royal Military Academy Sandhurst Memorial.”
5- War Memorials Online. “Captain John Compton Pyne, Sherborne Abbey Memorial.”
6- Wingate, Francis Reginald. Report on the circumstances connected with the death of Captain J. C. Pyne at Ambigol Wells, 1893. F. R. Wingate Papers, Durham University Library Archives.
7- “The Graphic.” “Death of Captain J. C. Pyne.” The Graphic, 14 January 1893. Referenced via War Memorials Online, Sherborne Abbey entry.
8-Glosters Military History. “Egypt and Sudan Campaign Casualties.” https://glosters.tripod.com/egyptz.ht, (accessed 29 December 2025).
9- Pyne, John Compton. A Journal of Three Months’ Walk in Persia in 1884. Leiden: Brill, reprint edition





