"الليلة باكية مالكِ يا العيون"
عبدالرحيم محمد صالح
القيتهُ مصادفةً عند مدخل بناية الآفروايشن، وكنتُ أرتدي قميصاً ذا خطوط كُحليّة كانوا يسمّونه آنذاك "تحرمني منك". ألقى نظرة متفحِّصة على قميصي الأنيق، ثم على شعري الخنفس المنتصب "واقف دِقّا"، وقال مازحاً: "الليلة باكي وين كِدَه؟ إنتَ تاني ما بترجع البلد". ضحكنا ثم مضينا معاً، قطعنا شارع الجامعة والمين روود، في تلك الأمسية التي كانت الجامعة فيها تضج بحركتها من معارض ومناشط، متّجهين إلى دار اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، المعروف اختصاراً بـ"كوسو"، تلك الدار التي ذاعت شهرتها بنشاطاتها الطلابية الصاخبة، ومنابرها التي كانت تضج بالحوار، والفكر، والنقاش، والاحتفالات.
وصلنا فوجدنا الدار هادئة فيها منشط يقيمه طلاب منطقة الدامر (أن لم تخني الذاكرة)، وقد امتلأت الدار بوجوهٍ شابّة يملؤها الحماس، وأصواتٍ تتعالى بالترحيب والأنس. وهناك، للمرة الأولى، وقع بصري على الفنان الصاعد آنذاك حسين شندي، يقف على المنصة في وقار مشوب بحماسة البدايات. شرع يغنّي أغنيته التي أخذت بالقلوب: "الليلة باكية مالكِ يا العيون"، واستهلّها بمقطعٍ شجيّ يقول فيه: "جار الزمان، وين الأمان، إنتِ الأمان، وحبك كمان، حبيبك نساك، لي عهدو خان". وما إن انسابت كلماته في الفضاء عبر السماعات حتى أخذت قلوب المحبين ترتجف، وسالت دموع أهل الغرام جداول صامتة، كأنما أيقظت الأغنية في النفوس ذكرياتٍ بعيدة، وأوجاعاً دفينة لا يطفئها إلا الشجن. وحين بلغ المقطع الذي يقول فيه: "أريتُو لو عارفك بتبكي، كيف الدموع النازلة تحكي، عن حب سنين صادق أمين، الليلة باكية مالك يا العيون" ارتجّ المكان بآهات مكتومة، وارتفع بين الحضور صوت النشيج خافتاً، كأنّ الأغنية قد لامست وتراً خفيّاً في صدور بعض الحاضرين. وخُيِّل إليّ، في تلك اللحظة المفعمة بالشجن، أنّ أشجار المهوقني الضخمة التي تظلل المكان قد أطرقت في صمتٍ مهيب، وأسدلَت فروعها الوارفة كأنّها تشارك القلوب حزنها، وتحنو على الدموع التي انهمرت في تلك الليلة.
ثم شاهدتُ بالصدفة المحضة اليوم حسين شندي يؤدي الأغنية ذاتها في برنامج "يلا نغني". غير أنّ الإحساس الذي ارتسم في نفسي لم يكن هو ذاك الذي عرفته قديماً! فما عاد حسين شندي ذلك الشاب المتوقد الذي عهدناه يومها ولا عدتُ أنا!، ولا كان الأداء يحمل تلك العذوبة الأولى التي سمعناها في تلك الليلة البعيدة. تبدّل ذلك الشجن العفوي الذي كان ينساب من صوته كنبعٍ صافٍ. ولعلي، وأنا أستمع إليه اليوم، لم أكن أقارن بين صوتين فحسب، بل بين زمنين كاملين: زمنٍ مضى بكل ما فيه من الشباب، ووهج البدايات، وصفاء اللحظة التي لا تتكرر. وتبدّل ذلك الشجن العفوي الذي كان ينساب من صوته كنبعٍ صافٍ. حين تولد الأغنية في زمانٍ بعينه، تحمل معه سرَّها الذي لا يعود كما كان، مهما تكررت، فتصبح ذكرى. ولذلك بقي ذلك الأداء في تلك الليلة في دار اتحاد طلاب جامعة الخرطوم، تحت ظلال المهوقني، وفي نشيج العشاق، هو الأداء الحقيقي الذي لا تمحوه الأيام من ذاكرتي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق