الأربعاء، 11 سبتمبر 2024

قوم كان في أقدراهم أن ينشؤوا على ظهور الإبل وهذا أرثهم (١)

 

قوم كان في أقدراهم أن ينشؤوا على ظهور الإبل وهذا أرثهم (١)

عبدالرحيم محمد صالح

كان مبيتنا عند عبدالرحيم ود عثمان، وكان قد مضى على خروجنا من الدوم يومان، تصفعنا ريح السموم وتتسلط علينا أشعة الشمس الحارقة مخترقين شمالاً متجنبين المزارع والحواشات في دبوكة من ٦٧ جملاً بخبيرٍ واحد وأثنين من الرعاة وأجير واحد. كنت معهم، رغم صغر سني، مودعاً لا مسافر!، كان الخبير رجلاً في حدود الأربعين من عمره ذي سحنةٍ سمراء وشاربٍ خفيف وعين نافذة ، متيقظ ، بالغ الخفة ، يتفرّس أوجه الناس باهتمام، يرتدي صديري مصري مقصب على عراقي وسروال وغترة رمادية يضعها ملفوفة بإهمال على رأسه. في ذراعه الأيمن ثلاث حجبات وفي ذراعه الأيسر سكين ذراع. يتوكأ على بسطونة مضببة بالصبر واليقين وبندقية أب عشرة حريص على إخفائها. رجلٌ قليلُ الأكل، قيل إنّه نشأ منذ صغره يتعاش على بضع تمرات و"جغمات" من حليب الإبل . دقيق في اختيار كلماته ويتحدث بوضوح لكنه يومئ ويشير أكثر مما يتكلم. رجل يعرف الصحاري وتعرفه ويشبها وتشبه، رجل شبعان فراسة "وضكرنة ورجالة" يحكى أنه هاجمه رهط من الهمباتة جهة الواحة(مسير يومين أو ثلاثة من قعب اللقية) حاصروه ثلاثة أيامٍ بليالها فـ "ركز صبة" أفناهم عن آخرهم وغنم أبلهم وسلاحهم وعاد ولم يفقد عقال بعير فنال ثقة تجار الإبل واعجابهم. كنا قد تأخرنا في معدية أرقو كثيراً لتكدس اللواري وكثرة العابرين، وكنا في أشد حالات اليقظة عند العبور حتى لا يقفز بعير فوق سياج المعدية القصير. وصلنا السيالة قرب مغيب الشمس أولمنا ود عثمان كعادته وطلقنا الأبل في أجراف تم شراؤها من أصحاب السواقي، أمضينا اليوم الأول في تجهيز اللحم الناشف والويكة والشاي والسكر والدقيق والملح والبلح والقرقوش والأدوية مثل المر الحجازي، والحزا، والحرجل والعطرون والتمباك الأخضر وتأكدنا من القرب والسكاكين، والجبخانة والجاز والقطن للزناد وخيط الشلة والأخفاف وغيرها (إذا كانت للخيل حدوات فللإبل أخفاف).أعدت القافلة لتعبر ذلك الرمل الأبدي إلى دراو، اشترى المسافرون ماخف وزنه ويسهل بيعه في مصر، إبر الخياطة، أمواس الحلاقة ماركة أبوتمساح، الشاي الفلت نمرة واحد وغيرها من البضائع المرغوب فيها، حُملت الأبل وأعدت للسفر، ومن عاداتنا أن يودع الناس القافلة ويدعوا للمسافرين بالسلامة وأن يعودوا إلى ديارهم سالمين غانمين. اصطففنا قرابة العشرة رجال ندعوا ونلوح مودعين وانتظرنا وقوفاً نتحمل لحظات السفر والفراق حتى اختفت القافلة من الأبصار. 

 صورة من محرك البحث قوقل ـ حقوق الملكية محفوظةMay be an image of 1 person and Bactrian camel

الاثنين، 2 سبتمبر 2024

فنجان جبنة

 فنجان جبنة

عبدالرحيم محمد صالح
شابة سعودية مليحة فيها لمحة سودانية، في عباءة فاخرة مستندة على كاونتر أحد المقاهي في المبنى الزجاجي على شارع الهجرة المؤدي إلى الحرم على رأسها وشاح أسود يغطي شعرها باسترخاء تفلت منه ضفيرة شعر مسدولة ناحية اليسار! دفعت وشاحها لجذور شعرها الفاحم الكثيف إلى الأمام وعدلت وضع الفوطة المنمنمة الملفوفة حول خاصرتها، نظرت إلى زيّه السوداني وقالت له مازحةً، لن أصب لك القهوة إلا إذا قلت لي "يا ست البنات"! تاه في لهج نطقها لـ "قلت لي" خرج من دهشته وهو يكرر " يا ست البنات لحدهن". شعر الحاج (أب قلباً رهيف) بإنّ عمره أصبح ٢٥ سنة أو هكذا خُيّل إليه! حرص ألا يقع بصره ببصرها تأدباً لكن أهتز وجدانه وعزف مغنياً مع فهيمة عبد الله وعلاء الدين البلولة "يا صيدة يا شبه الغزال، كاتلني في ريدك دلال، عشان عيونك يا جميل أعمل وأسوي المستحيل" وفاحت روائح البن العربي والزنجبيل والهيل والعود الأسود مخلوطة ببرودة المكان وتيار هواء يهب من آخر الردهة. جلدته عيناها كانت نظراتها آتية من ملامح معروفة من ذاكرة بعيدة أو من حياة أخرى، كأنه يعرفها من نبع الماضي أو من أزمانٍ مضت! من روح واحدة انفلقت في مكانٍ يعلمه الله وحده! ربما جاء جدها من بلادنا تلك محمل بالتوق إلى البيت المعمور ليجاور في الربع الأخير من عمره فزرع وبقي (مين عارف المصائر؟) ترك لها ،على الطاولة، إكرامية لا بأس بها، لكنه آثر ألا يذهب ناحية ذلك المقهى مرة أخرى.

وقَبيحٌ بنَا وإنْ قَدُمَ العَهْــدُ هَوَانُ الآبَاءِ والأجْدادِ

 وقَبيحٌ بنَا وإنْ قَدُمَ العَهْــدُ هَوَانُ الآبَاءِ والأجْدادِ

عبدالرحيم محمد صالح

تضاربت مشاعري في تلك الليلة الشتوية الباردة وطفت الفكرة في رأسي كفلينة في سطل ماء! بحركة خاطفة نهضتْ من الفراش قبل أذان الفجر الأول وقررت أن أصلي الفجر في مسجد تور الشرق بكرّام. خرجت تاركاً لبرودة الصباح أن تزيح بقايا النعاس عن وجهي. سلكت الشارع "السادر بحري بيت عبدون" واتجهت شمالاً عند طلح ود رحمة و"الليل شرب عطر الطلح" أرخيت جفنيْ بيني وبين ذكرياتي والقمرة نامت في الرمال والطين نتح نديان صِبِح". سرتُ اتساءل في نفسي كيف كنت في صغري اسمع وأنا في الدوم جرس سحور صالح الحداد يرن في قوز اللباب وكيف لا اسمع الآذان من مكبرات الصوت من نفس المكان إلا بعد انصات وانتباه. هل بدأت حواسي تخونني؟ هل تغير المكان كما تغير الزمان؟ أم تغيّرت أنا؟ أم تغيّر كل شيء؟ كيف كنا نسمع صوت اللوري القادم من كرمة قبل أن يصل الحبّاس جهة ديار سعيد نور الله ولا يسمع الناس صوت العربات على الزلط وهي على بعد أمتار معدودة فتقع نتيجة ذلك حوادث مروعة؟ سرت "أخَفِس" مسرعاً استحضر الذكريات واتساءل.. هنا كان "كوديق" علي محمد، على شماله كان دونكي سلمان، هناك كانت مخاضة الحداديد، ذلك مكان نمرة خليل، هناك كانت نمرة القريشي. هذه كرّام، أسأل نفسي من أين أتى اسم "كرّام" من إكرام الميت دفنه؟ من كرامة؟ هل اسم علم لاحدهم في القباب الثمانية الممتدة بين "تور بلول" و"تور الشرق"، هل كلمة نوبية معرّبة ، الله أعلم!..، استغرق المشوار نحو خمسة وثلاثين دقيقة حتى باب المسجد. ما أن دخلتُ باليمين قائلاً "اللهم افتحْ لي أبوابَ رحمتك" حتى أقيمت صلاة الفجر. استغرقت صلاة الفجر وقتاً قصيراً صلى بنا الإمام بقصار السور في صوت خفيض، جلس المصلون بعدها يسبحون ويدعون أو ربما يلهجون بقوائم الأمنيات والآمال، جلستُ أسبح بلساني وقلبي مشغول! خرجت احمل نعلي، بعد أن غادر المصلون وسرت إلى المقابر في خشوع ٍحافياً احتراماً وتقديرا لمن سبقونا وبيت المعري "خفّف الوطء وما أظنّ أدِيم الأرْض إلا مِن هَذه الأجسادِ" يئز في رأسي أزاً .بدأت من ناحية الجنوب واتجهت شمالاً أقرأ شواهد القبور وأدعو بالرحمة للموتى. تأثرت كثيراً وفاضت مشاعري بل غلبتني حين وصلت قبر أبي وبهدوء جلست أرفع أطرافه بالرمال والحصا وأنا أدعو. وضعت يدي على موضع الرأس وتلوت سورة يس والواقعة والرحمن والملك ووهبتها له، اعتذرت عند قبره عن أسفي أذ لم أكن بجواره عند انتقاله وشكوت عن حزني ولوعتي لفراق والدتي التي انتقلت بعده، جلست استرجع الذكريات حلوها ومرها وكأني أحادثه! قطع خلوتي نورالله!"يا زول حايم وسط القبور من الدغش نعل ما في عوجي" قلت له "العوجي جيتك هني أيدك فاضية لا شاي لا قهوة" ... جلسنا عند مسجد العكاشاب وشربنا الشاي والقهوة وتحدثنا عن الخرصانة والاسمنت لبلوكات المقابر، وعن مشروع مقابر لقسم ٤وعن ضرورة السور والتشجير وترحمنا على عبد الله مداقا ، بعد رحيله صار الاهتمام بأمر المقابر قليل. عدت راجعاً حوالي الثامنة والنصف صباحاً ونمت نومة لم أذق مثلها من قبل حتى أيقظني صوت ود كبودي يؤذن لصلاة الظهر.

الاثنين، 24 يونيو 2024

 في شفخانة السير
عبدالرحيم محمد صالح

وصل إلى عتبات مسطبة شفخانة السير يتسروك، شعِث، قشِف، أوهنه الإعياء وقد جفت شفتاه وتشققت. وحين هم بالدخول إلى مكتب العيادة سبقته روائح صبغة اليود والشاش ورائحة وابور الجاز الذي تُعقّمُ على ناره الأدوات. ثلاث زجاجات بألوان مختلفة وُضِعت على رف شمال المدخل تحتها منضدة ألمنيوم عليها علب مختلفة الأحجام أشهرها علبة السلفا! طاولةُ كشفٍ بغطاء بلاستيكي أحمر تتمدد وراء حجاب فاصل تحت النافدة . شعر بأنّ وجهه المسفوع صار أكثر كلاحة من التعب فجلس غير عابئ على دكة اسمنتية ملساء متكئاً على حائط ذي لون أخضر زيتي يتأمل المكان بضيق وحزن لما أصابه من مرض! سأله التمرجي ذو السترة البيضاء والذي يُقالُ عنه إنّه عجن التمريض وخبزه بعد ألقى نظرة على دفتر العيادة المدرسيّ "عندك شنو" "عندي وِردي" ونطقها بشق الأنفس ولسان حاله "أفصحُ القولِ إيحاءٌ بغير فمِ "(الوِرْدُ: كلمة فصيحة وهي من اسماء الحمى) .أخرج التمرجي أنبولة زجاجية صغيرة وسحب ما بداخلها بمحقنة (بدأت له ضخمة) أخرجها من الغلاية. كان يرفع المحقنة إلى أعلى وينقر عليها بـظفر سبابته ثم يضغط على المكبس لتكون خالية من الفقاعات الهوائية كرر ذلك عدة مرات، ثم حدد موضع الحقن ونظفه بقطعة قطن ثم دفع بالإبرة في عضل يده اليسرى وأفرغها في وريده. كان يخشى أن يعطوه المزيج وهو شراب في كأس صغيرة لا طعم ولا رائحة ولا اسم له غير المزيج، كان يُعطي دواء لكافة الأمراض. سَعِد بالحقنة رغم ضخامتها وهو لا يدري لم غرزت في ذراعه ولأي مرض تكون! ما أن وضع التمرجي الحقنة الفارغة في سرويس طلس أبيض يستخدم وعاء لتعقيم المحاقن، ساد مدخل الشفخانة ضجيج وجلبة. مد عنقه لاستراقِ نظرةٍ. تدافعت، في اضطراب، مجموعة تسند أذرع صبي دخلت في راحة كفه، أي الصبي، صنارة كبيرة وخرجت من الجهة الأخرى للرسغ. ظلَّ هو يرقب الأحداث ممسكا بالقطنة التي وضعها التمرجي على عضده! ارتبك كل من في المكان من بشاعة المنظر وتألم الصبي ودمعه الذي لا يسيل منحدراً على خدّيه، بل ينتثر بعيداً! كان حين يسأل التمرجي الصبي "توجعك وين" يرد بألم مشيراً بسبابة يده الأخرى إلى قلبه "إنْدو". اندفع عبر الباب من الغرفة المجاورة المساعد الطبي رجل طويل صارم بسحنة جنوبية بائنة. لم يتحدث مع أحد ولم يسأل أحد. بلا تباطؤ أمسك بذراع الصبي وحقنة بحقنة لم نتبين مصدرها. هدأ الصبي في الحال أمسك بآلة تشبه الزردية كسر الصنارة وأخرجها وقام بتضميد الجرح وانصرف في ثقة ورزانة يُحسد عليهما! لم يستغرق ذلك أكثر من دقيقتين. جلس هو يرقب الصبي ومن معه يغادرون سائرين كقافلة إبلٍ سارت وابتعدت أخفاها سراب الصحراء ! كتب التمرجي على دفتر العيادة "راحة" وناوله إيّاه، أجبر ساقيْه على النهوض بجسده الخائر عائداً إلى المدرسة! رفع أهدابه ليتفحص مواطئ أقدامه عند عتبات المسطبة، ضربت الشمس حشيشة رأسه "الخنفس" ولفحته سموم حارة جافّة محملة بالغبار آتية من جهة شمال الشفخانة " بين الطابونة والكارة "حيث تربض الإبل وتنتشر سوق السائمة والمجلوبة ويتجادل "السبابة" والباعة و"فِريِّشة" البرسيم أمام "الكارة" الشهيرة! يُقال إنّه كان للشفخانة خط هاتف ساخن مباشر بحكيمباشي اسبتالية دنقلا للاستشارة في الحالات الحرجة والاسعاف. وللشفخانة أيضاً اسعاف كومر بسائق مؤتمن ومحترم ومحترف. أيامٌ مضت...ظلت بناية تلك الشفخانة حتى عهد قريب، ربما حتى اليوم، "لا شق لا طق" تتحدى الزمن بينما بعض ما شٌيِّد من مبانٍ حديثة متصدع ولم يبق فيه غير بقايا أخشاب متآكلة على سقوفٍ آيلة للسقوط. مر قرابة النصف قرنٍ من الزمان وهو مازال يستغرب ويفكر كيف كانت تلك الشفخانة الصغيرة ذات الغرفتين والمساعد الطبي وطاقم من ممرضين أثنين وداية واحدة تغطي كل احتياجات البلد! هكذا حاله يراجع في الهواء خيالاته ويظلّ ينبش الأحداث ويتخبط في بقاياها يفتشُ وجوهَ الرجال في مجلس الذاكرة دون الوصول إلى ما يريد! أين يجد صورة لتلك الشفخانة العريقة؟ أين يجد ذلك الفارس الرزين من أبناء السير ليحكي فينصت، كما كان يحكي من قبل، بكلمات "مليانة" ملء جبخانة بندقيته الشهيرة؟


 

١٩٨٣م
عبدالرحيم محمد صالح
بدأ قرص الشمس الأحمر مثل لوحة زيتية على صحفة الأفق خلف أشجار النخيل والدوم وبيوت الطين ووجوه لم تغادر مخيلتي، ظللت واقفاً شرق الحِلّة أقلب وجهي بينما دكنت حُمرة الشمس الغاربة! سرت على الأقدام راجعاً؛ رائحة مميزة ملأت حواسي أقرب ما تكون لروائح تعرفها طفولتي مثل تركيبة عطار بارع جمع روائح البحر والترمس والطين والبرم والتقطت رادارات حواسي أصوات فاضت من أزمان بعيدة . تجمعت سحب الذكريات العذبة وهطل هتانها على قلبي! هنا كانت بويرات حامدة (جمع بويرة تصغير بير)، حيث كنا في طفولتنا "نَكُر الحوت"، قطع ذلك الهدوء صوت برينسة تقطع الرمال كما تمخر السفن البحار، جلس على التندا ثلاثة رجال ملثمين وعلا صوت شريط الكاسيت يغني بصوت ساحر "حنني يا أختو الكبيرة وحنني وسوي لي الضريرة وحنني لي بت القبيلة" مرّ مخلّفا خليطاً من الغبار ورائحة البنزين. التقطت نفساً ثم مررت لساني على شفتي السفلى ليرطبها وأنا اتتبع النغم وأنظر إلى البرينسة تعلو وتهبط في مطبات مجرى درب العربات "المبحِّر" شرق العوازمة. داهمتني وجوه اهترأت في ذاكرتي ملامحها، هنا كانت طلحاية "بت إدريس" وزريبة أغنامها، وهنا كان القبر القديم الذي نبشه أحد أعمامي ظنّاً منه أن سيجد خزنة يحرسها "دَقَرٌ" له قرنان بينهما جوهرة لـِيصبح بعدها غنياً لـ "جنا جناه"، أضاع عمي يومه وأهدر جهده بعد أن تبين (لنا لاحقاَ) أنه قبر لرجلٍ مرويٍّ فقير. ظلّت الخزنة ودقرها ذو القرنين تلاحقه في أحلامه وحكاويه لكنه لم يجدها في يقظةٍ قط. وفجاءة انسل آخر شعاع من الشمس وقد غاب نصفها بين أفراق تمرات عبد الله الأسطى منيراً جرائد النخل بلون ذهبي يخاتل البصر راسماً آخر خطوط لوحة الغروب. عاد الرعاة من "العبادة" وكذلك الزراع يحفهم اليقين والرضا، تذكرت قول أمي "يا ولادي المغرب شيطان" قفلت عائداً وصلت إلى بئر الحصا في جنينة النخل وغرفت دلواً من الماء الدافئ وقد أذّن ود رحمة لصلاة المغرب قبل أن أكمل الوضوء. جلست بعد الوضوء اتفكر في الصراع بين الثقافة والدين نتفاءل بالشروق ونتغنى بالمغيب بالخدود الشاربة من لون الشفق عند المغارب ديل خدودك سيدي سيد الناس يا سيد الحبايب" ونطرب بـ "نحن راجعين في المغيرب" والدين يقول ما معناه الشمس تطلعُ بين قرنيْ شيْطان ويقول أيضا "إِذَا كَانَ جُنْحُ الليل أَو أمْسـيتُمْ فكفُّوا صبيانكم". وقفت أمسح الرمال بقدمي اليمني وأقيم الصلاة!
May be an image of tree

الأحد، 17 مارس 2024

 

بروشٌ وأباريق

عبدالرحيم محمد صالح

على سريري في وسط الحوش كنت أُلهي نفسي بفتات أفكاري فارتخيت للنوم بعد منتصف الليل وصحوت حوالي الرابعة صباحاً أبحث عن آذانات زمان! أبحث عن صوت حمزة الزّراع، عن آذان ود رحمة وصوت آذان نوري فقير درار ! خرجت على غير هدى في اتجاه الزلط شرق الحلة وبعدها بساعة غرقتُ في الصمت جالساً في عتمة الليل بجوار أجمة نبتٍ برِّيٍ جاف على مقربة مما كان يُعرف بـمقابر "السحابات" غرب الزلط والتي لم يعد فيها قبور. أدركني الفجر وتكاثرت الآذانات في الأفق آتية مكبرات الصوت من شتى الجهات بأصوات ونبرات وغنات ومدات مختلفة حسبتها ثلاثة عشر آذاناً بالتمام والكمال. كان من بينها صوت الآذان الآتي من جامع الحداديد مختلفا يمس القلوب. قبل نصف قرنٍ من الزمان ما كان بين أهلنا من يصلي بالناس التراويح أو يصلي صلاة الجنازة! كنّا نرسل للأئمة في القرى المجاورة. اليوم، والحمد لله، بها ثمانية من المساجد والجوامع وعشرات الحفظة، أطرقت أسأل نفسي هل صار الإنسان فيها أحسن مما كان؟ الله أعلم! رجعت لأدرك صلاة الفجر ماراً بما كان يُعرف بدوم ود كبودي وأنا أفكر في سر الارتباط الوجداني العجيب بهذا الحي الذي أفنيت فيه عقدين من حياتي وسر غرقي في ذكرياته رغم أني تركت البلد قبل أربعين عاماً! لكن رغم ذلك في كل زيارة يتعزز شوقي ويزداد ارتباطي فأنا من عجينة هؤلاء البسطاء لكنهم أفضل مني! لأنهم بقوا وتعاضدوا وزرعوا وحصدوا وحزنوا وفرحوا وخدموا المسنين والمرضى وأغلقوا أعين من مات وسطهم على الشهادة! بماذا ستنفعني جامعات واشنطون يوم لا ينفع مال ولابنون؟ نظرت بحدقةٍ متوسعة إلى المصلى! هنا كانت "كرقة حُمّد صالح" الواسعة المعروفة بدفئها في الشتاء وبرودتها في الصيف مكانها مصلٍ بمكيفين والناس تلهث فيه من شدة الحر في الصيف وترجف فيه من برد الشتاء! بروش سعف الدوم التي كنا نفترشها للفطور والتراويح أمام تلك الكرقة كُنّا نراها كالسجاد العجمي! يطالب المصلون اليوم بتغيير فرش المصلى بسجادٍ ألين وبطلاء الوضاية بالسراميك ! هل تغيّر الناس أم تبدلت الدنيا؟ أم أنا سجين الماضي؟ هل يا ترى إن عدت بعد هذه العقود من الغربة سأكون مثلهم؟ ومضات تجئ وتذهب.. قديم وحديث، ماضٍ وحاضر، أجدادٌ وأحفاد! لم أسأل ولم يسعفني أحدٌ بجواب.

 

جوالي برقمك يرن

 

جوالي برقمك يرن

عبدالرحيم محمد صالح

في عالم اليوم الضوئي تكسرت الحدود وتلاشت المسافات وتعج الهواتف المحمولة بالآف المقاطع المصورة تعبر القارات والمحيطات   في إحداها على التكتوك يميل الشبلي الصغير إلى الأمام قليلا مندمجا يصفق ويغني في حماس وانفعال في أحد سهول ريف السودان وربوعه "عيوني ريدك سَهَّدَن شال منامي أنا سَقّدَن، جوالي برقمك يرن مالك عليّا أنا ما بتحن" ويمد الميم في "مالك" مداً، تحرك صدى كلماته ورنة صوت أوتار الربابة الحنين في قلب رجلٍ في عالمٍ آخر مواجع الفراق و"تُنردِن" فيه مكامن الذكريات. الشِّبلي يمثلني ثقافياً! يأخذني مقطع الفيديو إلى أيام خلت كنا نخرج فيها من فصول حامدنارتي الابتدائية بعد نهاية اليوم الدراسي لتكون أول منزلة لنا "تحت تمر ود جبرين" تتسمر ظلال النخيل حين نصلها فارين من وقد شمس الثانية ظهراً ووهج الرمال ، فنخلع الشِّدة ونعلق الخراتي على الكرب (العبج) هناك تتحول بستلة الفطور إلى دلوكةٍ محمسةٍ تهبك. يغني مغنينا "برجاك في محل يومداك يا جنا" تجاوبنا وتفاعلنا وعرضتنا تسوق مغنينا للاستزادة فصوته البلومي كان في تقديرنا يفوق النعام آدم وإدريس تومة مجتمعين! هناك تدربت أذن الواحد منا لتسمع وقلبه ليحتوي ويعي فصرنا نحس الكلمات ونسبر غور معانيها. نطرب ونأتي بجرائد نخل رطبة "سيطان جريد" يطير القمري من صدى صوتها على ظهورنا ونَرْتِب ونَرْكِز ونطير ونندق ــ يخلع الواحد جلبابه يجعل الفنلة حول عنقه متدلية أمامه مثل مريلة ويبعد ساقيه في سرواله الطويل ويمد يده مع إمالة الرأس قليل ثم يصيح "ألعب" وهكذا كان يفعل كبارنا .وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوٌده أبوه ــ لا أعرف سر ولعنا بذلك، لعله نوع من أنواع فن التنفيس المضاد للصرامة والقسوة والمقاوم للـ (Truanting) الموصوف في كتب التربية. ربما عرفنا دون وعي "وحدة وصراع الأضداد" "التناقض والتضاد" وتذوقنا حلاوة تفاعل النقضين لذة الطرب ولسعة السوط ومازلنا يفعاً دون أن نقرأ عن ذلك .لوحة من الذكريات  تضاهي "الأيام" لطه حسين .لو أنّ مارسيل بروست عاش ليشاهد تلك الخراتي المعلقة وجلابينا المتطايرة وأحذيتنا المتناثرة وكتوفنا العارية تحت سوط الجريد تحت تمر ود جبرين لما لما أضاع الزمن في كتابة رواية "الزمن الضائع". وقفت العام الماضي بالصدفة أمام نفس المكان، اختفي ضريح عبدالرازق (المناطق الآمنة)، وانتشر العمران وتغيّر المكان. نظرت باستغراق فكنت أرى ما لا يراه الآخرون كأني أنظر الى الماضي عبر شاشة بلورية فرأيت جدي ودجبرين ممسكاً بيديه خلف ظهره ورأيت ساقية حسين وساقية ود علوب وساقية اب تنقة، رأيت أساتذة وزملاء وزميلات، وآباء وأمهات ،أشخاص، وأمكنة، وأشياء وأحداث. يا الشبلي مالك عليَّا


.